الرقابة على دستورية القوانين

الأحد، 9 ديسمبر، 2012 |

كلية القانون والعلوم السياسة
 (الرقابة على دستورية القوانين 
 العراق نموذجا

 دراسة مقارنة رسالة تقدم بها الطالب حسن ناصر طاهر 
المحنّه إلى

 مجلس كلية القانون و العلوم السياسة – الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك 
وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون العام 

 بإشراف الأستاذ الدكتور مازن ليلو راضي
 العراق 1429هجرية 2008 ميلادية
 بسم الله الرحمن الرحيم (( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ )) صدق الله العلي العظيم سورة المائدة آية (49) الإهداء000 • إلى من سن أول قانون على أرضه • إلى مهد الحضارات والترقيم • إلى موطن الأنبياء والرسل ومثوى الأئمة والصالحين • إلى من ألهم العلماء والفلاسفة والأدباء وأنشد له الشعراء • إلى موطني • إلى العراق حسن ناصر المحنّه شكر وتقدير وأنا أضع اللمسات الأخيرة على رسالتي المتواضعة هذه فان واجب العرفان يشدني أن أقدم خالص الشكر وعظيم الامتنان وجل الثناء لأستاذي المشرف سعادة الدكتور مازن ليلو راضي لما أبداه من ملاحظات متسمة بالدقة والأمانة وروح العلم , أفاد منها البحث والباحث فكان خير موجه ومعين أسأل الله العلي القدير أن يحفظه ويرعاه ويسدد خطاه فكان نعم الأستاذ جزاه الله عني خير الجزاء. واعترافا" بالجميل لا يسعني هنا إلا أن أتقدم بالشكر والثناء لرئيس الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك معالي أستاذنا الدكتور وليد ناجي الحيالي , لما بذل من جهد في خدمة العلم والمعرفة وهو يواصل المسيرة العلمية رافعا" علم الأكاديمية في المحافل الدولية والعربية نحو الرقي والتقدم متابعا" خطى الدارسين في الأكاديمية وكنت من هؤلاء جزاه الله جزاء المحسنين . كما أثني على عميد كلية القانون والعلوم السياسية سعادة الدكتور لطفي حاتم الذي كانت بصماته واضحة في تطوير كلية القانون والعلوم السياسية متبنيا" منهجا" متطورا" بطريقة حديثة من خلال البحوث والدراسات المتواصلة أطال الله في عمره. كما وأثني على جميع أساتذة الأكاديمية الذين ساهموا في تقدم وتطور الأكاديمية بجهودهم وخبراتهم العلمية خصوصا" أساتذة كلية القانون والعلوم السياسية , وكل من ساهم من إداريين ومنتسبين. ولا يفوتني إلا أن أقدم شكري وتقديري إلى من أبدى لي بعض الملاحظات العلمية القيمة لا سيما الدكتور عدنان عاجل عبيد والأستاذ حسام حمد جلاب والأستاذ حازم خضير خريبط , ولمن قدم لي المساعدة من خلال رفدي ببعض المراجع وأخص بالذكر منهم المحامي سعد مظلوم العبدلي , والمحامي فارس محمد علي العطية , والحقوقية أمل حمزة كريم , والى زملائي في مركز حقوق الإنسان والديمقراطية , والرابطة الإنسانية العراقية لحقوق الإنسان, والمركز العراقي للتوعية والتطوير الاجتماعي, حفظ الله الجميع من كل مكروه . الباحث المحتويات رقم الصفحة العنوان المقدمة 11- 14 تمهيد التعريف بالدستور 15- 28 أولا" تعريف الدستور لغة ( المدلول اللغوي) 16 ثانيا" مبدأ سمو الدستور 19 ثالثا" الدساتير الجامدة ومبدأ سمو الدستور 24 الفصل الأول طرق الرقابة على دستورية القوانين 29- 73 المبحث الأول الرقابة السياسية على دستورية القوانين 29 المطلب الأول نشأة الرقابة السياسية 30 المطلب الثاني الرقابة السياسية في فرنسا 32 أولا" تحريك الرقابة 33 ثانيا" طبيعة قرارات المجلس الدستوري 34 ثالثا" مضمون القرار 34 رابعا" نشر القرار 35 خامسا" حجية الأحكام الدستورية 36 المطلب الثالث الرقابة السياسية 36 الفرع الأول إسناد مهمة الرقابة إلى الهيئة التشريعية ( البرلمان ) 36 الفرع الثاني تكوين هيئة خاصة للرقابة على دستورية القوانين 37 أولا" مجلس صيانة الدستور الإيراني 40 ثانيا" طريقة اختيار الأعضاء 42 ثالثا" عدد الأعضاء 42 رابعا" شروط العضوية 43 خامسا" مدة العضوية وتجديدها 43 الفرع الثالث مزايا وعيوب الرقابة السياسية 45 أولا" مزايا الرقابة السياسية 45 ثانيا" عيوب الرقابة السياسية 46 المبحث الثاني الرقابة القضائية على دستورية القوانين 47 المطلب الأول الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية 47 الفرع الأول السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية 49 أولا" الاختصاص المطلق 51 ثانيا" الاختصاص المشترك 52 ثالثا" الاختصاص الأصلي 52 الفرع الثاني طبيعة قرارات المحكمة الاتحادية العليا 52 الفرع الثالث أهم الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الاتحادية العليا 54 المطلب الثاني الرقابة القضائية على دستورية القوانين في مصر 55 الفرع الأول تكوين المحكمة الدستورية العليا 55 الفرع الثاني اختصاصات المحكمة الدستورية العليا 57 الفرع الثالث إجراءات رفع الدعوى الدستورية 58 الفرع الرابع حجية الأحكام الدستورية 60 الفرع الخامس أهم الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الدستورية العليا 60 المبحث الثالث أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين 61 المطلب الأول الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة ( دعوى الإلغاء) 61 الفرع الأول رقابة الإلغاء السابقة 62 الفرع الثاني رقابة الإلغاء اللاحقة 62 الفرع الثالث مزايا وعيوب الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة 65 أولا" مزايا الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة 65 ثانيا" عيوب الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة 65 المطلب الثاني الرقابة القضائية بطريقة الدفع الفرعي 66 الفرع الأول الرقابة القضائية بطريقة الأمر القضائي 67 الفرع الثاني الرقابة القضائية بطريقة الإعلان القضائي 69 الفرع الثالث الرقابة القضائية بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية والدفع بعد الدستورية 69 الفصل الثاني ضمانة استقلال القضاء وأثرها في الرقابة على دستورية القوانين 74- 97 المبحث الأول تأصيل استقلال القضاء التاريخي 74 المطلب الأول الأساس الدولي لاستقلال القضاء وحق التقاضي 77 المطلب الثاني فكرة استقلال القضاء في الإسلام 80 المبحث الثاني استقلال القضاء وأثره في الرقابة الدستورية 84 المطلب الأول ضمانة استقلال السلطة القضائية في الدساتير المقارنة 85 المطلب الثاني استقلال القضاء في العراق 86 الفرع الأول وضع السلطة القضائية في قانون التنظيم القضائي 93 الفرع الثاني إلغاء مجلس القضاء الأعلى 94 الفرع الثالث إعادة مجلس القضاء الأعلى 94 الفصل الثالث الرقابة على دستورية القوانين في العراق 98- 141 المبحث الأول الرقابة الدستورية في العراق من عام 1925 – 2003 98 المطلب الأول الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام 1925 99 الفرع الأول تكوين المحكمة العليا 99 الفرع الثاني اختصاصات المحكمة العليا 101 الفرع الثالث طبيعة قرارات المحكمة العليا 104 المطلب الثاني الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة 106 الفرع الأول الرقابة الدستورية في دستور عام 1958 المؤقت 106 الفرع الثاني الرقابة الدستورية في دستور عام 1968 المؤقت 108 الفرع الثالث الرقابة الدستورية في دستور عام 1970 المؤقت 110 المبحث الثاني الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005 113 المطلب الأول تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية 114 الفرع الأول تكوين المحكمة الاتحادية العليا 114 الفرع الثاني طرق ممارسة الرقابة الدستورية 118 أولا" المزج بين طريقتي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية 118 ثانيا" طريقة الدعوى المباشرة ( دعوى الإلغاء) 121 المطلب الثاني اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا 125 الفرع الأول اختصاصات المحكمة في قانون إدارة الدولة 125 الفرع الثاني اختصاصات المحكمة في دستور عام 2005 128 الفرع الثالث حجية الأحكام الدستورية 133 المطلب الثالث إجراءات رفع الدعوى الدستورية وشروطها 134 الفرع الأول إجراءات رفع الدعوى أمام محكمة الموضوع 135 الفرع الثاني شروط الطعن أمام المحكمة 137 أولا" الطعن من قبل الجهات الرسمية 137 ثانيا" الطعن من قبل الأشخاص الطبيعية والمعنوية 138 الفرع الثالث إجراءات الفصل في الطلبات والطعون 140 الخاتمة 142- 144 قائمة المصادر والمراجع 145- 153 الخلاصة باللغة الانجليزية بسم الله الرحمن الرحيم المقدمّة أهمية الموضوع: تهدف الرقابة على دستورية القوانين , إلى تعزيز أسس وأركان الدولة القانونية القائمة على سيادة القانون والحيلولة دون الخروج على الدستور باعتباره المنظم للقواعد الأساسية الواجبة الاحترام في الدولة وللدفاع عن إرادة الشعب الذي أصدر الدستور و حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد , ولضمان وجود الرقابة على دستورية القوانين لابد من الإيمان بمبدأ المشروعية ووجود قضاء مستقل , وعلى الرغم من أن الرقابة على دستورية القوانين ليست مرتبطة ارتباط السبب بالنتيجة بوجود قضاء دستوري متخصص , فقد توجد الرقابة الدستورية حتى في غير وجود قضاء دستوري , , فالرقابة السياسية على دستورية القوانين ذات خصوصية فرنسية دعت الظروف السياسية والتاريخية والفلسفية إلى إبعاد القضاء من رقابة الدستورية خشية تغوله على السلطات الأخرى وأصبحت الرقابة السياسية ذات مكانة مرموقة في دستور الجمهورية الخامسة الفرنسي لعام 1958 , وأناط مهمة الرقابة إلى هيئة اسماها المجلس الدستوري. في حين كانت الرقابة القضائية ذات خصوصية أمريكية طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين , رغم عدم وجود قضاء دستوري متخصص , لكن المحكمة العليا الأمريكية التي هي في قمة التنظيم القضائي أقرت لنفسها حق الرقابة الدستورية منذ عام 1803 في الحكم الشهير الذي حكم به القاضي مارشال في القضية المشهورة ماربوري ضد ماديسون . ومن ثم فان عدم النص على تنظيم الرقابة الدستورية لا يعني نفيها بل إنها تخضع للمبادئ العامة والعرف الدستوري , ولكن التصور المنطقي والتحليل الواقعي هو الذي دفع بالسلطة في العديد من الدول إلى التفكير بخلق هيئة قضائية للرقابة على دستورية القوانين تكون مهمتها العمل على فرز التصرفات التي وضعت في غير السبيل الذي حددته الأحكام القانونية لحدوثها , ويترتب على ذلك أن عملية الرقابة تؤدي إلى تأكيد صحة التصرفات التي أجريت كما حددها القانون لها لتحقيق المشروعية كما تؤدي إلى تحديد التصرفات الخاطئة لإعادة تقيمها ضمن الحدود القانونية وباتت الحاجة إلى وجود هيئة قضائية مستقلة تأخذ على عاتقها النظر في موضوع الرقابة على دستورية القوانين أمر في غاية الأهمية خصوصا" في البلدان النامية حيث الرأي العام ضعيف أو معدوم وحيث المؤسسات الدستورية هشة والسلطة التنفيذية متسلطة فلا يلائمها لرقابة الدستورية إلا وجود محكمة دستورية تشكل جزءا" من سلطة قضائية تقف على قدم المساواة من السلطتين التشريعية والتنفيذية , فإذا كانت السلطة التنفيذية ذات محتوى سياسي فان السلطة القضائية تتغيا إلى تطبيق القانون بروح الحق والإنصاف والعدالة وتغليب حكم الدستور على سائر القوانين والأنظمة واللوائح وهذا ما يعرف بمبدأ علوية الدستور , وعلى هذا الأساس غالبا" ما تتقاطع تلك الغايات خصوصا" في المسائل ذات المحتوى السياسي والتي تكون الكلمة الفصل فيها للقضاء , وتتسم تلك العلاقة بالتوتر إذا ما انبثقت الحكومة بطريق غير شرعي كالانقلابات العسكرية إذ تعمل جاهدة لتطويع القضاء لخدمة برامجها وأهدافها في إحكام قبضتها على السلطة وقد تظهر المشكلة أيضا" في البلدان ذات الحكومات الشرعية إلا أنها تعاني من خلل توازن السلطات وبالأخص إذا ما عمدت دساتيرها إلى تقوية السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية . فرضية الموضوع: على الرغم من إن الدساتير العراقية نصت على استقلال القضاء إلا إن التشريع العراقي و في قانون إصلاح النظام القانوني , أقر بانتفاء تعدد السلطات والفصل بينها مؤكدا على تبني وحدة السلطة السياسية مما انعكس سلبا" على دور القضاء في ممارسة الرقابة على دستورية القوانين , وحكم ذلك على القضاء بعدم الاستقلالية , ولم يمارس القضاء العراقي الرقابة على دستورية القوانين باستثناء حالتين بالامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور طوال عمر الدساتير العراقية المؤقتة يضاف إلى ذلك أن ترؤس وزير العدل لجلسات مجلس العدل الذي حل محل مجلس القضاء الأعلى كان له هو الآخر تأثير سلبي على القضاة من خلال تهديدهم بالعقوبة والنقل والترقية ,علاوة على ممارسة الضغط عليهم بفرض الانتماء إلى حزب البعث العربي الاشتراكي . وقد انتهجت الدساتير العراقية منذ القانون الأساسي عام 1925 وحتى مشروع دستور جمهورية العراق لعام 1990 الذي لم يكتب له التطبيق , إلى تقوية السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية والسلطة القضائية حتى وصل الأمر بان أصبحت السلطة القضائية جزءا" من السلطة التنفيذية ومرفقا" من المرافق العامة . فقد كان الانتماء عاملا" من عوامل الولاء إلى الحزب وعلى ضوءه يتم تقييم القضاة وهذا يدعوا إلى خشية القضاة من سطوة السلطة في حالة رفض الانتماء الحزبي الذي له تأثير سلبي على حياد واستقلال القاضي , فضلا" عن التأثير على أحكام القضاء . وقد مر القضاء العراقي بعد احتلال العراق في 9/4/2003 بمرحلة جديدة من خلال إعادة تكوين مجلس القضاء الأعلى وإناطة شؤون القضاة به بعد أن كانت تدار من قبل مجلس العدل , وجاء قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 وعالج استقلالية السلطة القضائية متبنيا" مبدأ الفصل بين السلطات والنص على إنشاء محكمة اتحادية عليا لمراقبة دستورية القوانين , كما عالج دستور العراق لعام 2005 استقلالية السلطة القضائية ,ونص على إنشاء المحكمة الاتحادية العليا وأضاف إليها اختصاصات أوسع مما كانت علية في قانون إدارة الدولة وقد مارست اختصاصاتها وأصدرت الكثير من القرارات الأحكام والاجتهادات , لكنها قد تعاني مستقبلا" من التجاوز على اختصاصاتها إذا ما علمنا أن هناك تعارضا" في بعض نصوص الدستور التي تؤثر على دور المحكمة في ممارسة مهامها خصوصا" فيما يتعلق بالفصل في المنازعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية , مستقبلا وتلك المتعلقة في الفصل بالاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء التي لا يمكن الطعن فيها بأي حال من الأحوال فهذه المسائل قد تثير الجدل في القضاء الدستوري العراقي . منهجية البحث: وقد اعتمدنا منهجية المقارنة بالدساتير العربية والأجنبية أينما دعت الحاجة , ومن هنا قسمنا هذه الدراسة إلى ثلاث فصول تسبقها مقدمة وتمهيد إذ جعلنا التمهيد نقطة افتتاح الدراسة وحاولنا فيه تحديد مفهوم الدستور وتعريفه وتناولنا فيه مبدأ سمو الدستور , والدساتير الجامدة والتعريف بمضمون الرقابة على دستورية القوانين من خلال النتائج المترتبة على مبدأ سمو الدستور. أما الفصل الأول : طرق الرقابة على دستورية القوانين , تضمن ثلاث مباحث : المبحث الأول الرقابة السياسية على دستورية القوانين وتناولنا نموذجين من الدول التي أخذت بهذا الشكل من الرقابة وهما فرنسا وإيران حيث بحثنا في المجلس الدستوري الفرنسي , ومجلس صيانة الدستور الإيراني , وبعض الدساتير التي أخذت بالرقابة السياسية كما عالجنا مزايا وعيوب الرقابة السياسية على دستورية القوانين , وفي المبحث الثاني الرقابة القضائية على دستورية القوانين , واخترنا نموذجين أو تجربتين من الدول التي تبنت الرقابة القضائية على دستورية القوانين , وهي التجربة الأمريكية , والتجربة المصرية . وفي المبحث الثالث : أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين , تناولنا فيه الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة , رقابة الإلغاء السابقة, و اللاحقة, ومزايا وعيوب الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة , و بحثنا في طريقة الدفع الفرعي , والأمر القضائي , والإعلان القضائي , والرقابة بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية والدفع بعدم الدستورية . أما الفصل الثاني : ضمانة استقلال القضاء وأثرها في الرقابة على دستورية القوانين, تضمن مبحثين : المبحث الأول , تناولنا فيه تأصيل استقلال القضاء التاريخي , والأساس الدولي لاستقلال القضاء وحق التقاضي , وفكرة استقلال القضاء في الإسلام , وفي المبحث الثاني : استقلال القضاء وأثره في الرقابة الدستورية , وضمانة استقلال السلطة القضائية في الدساتير المقارنة , إضافة إلى استقلال القضاء في العراق , ووضع السلطة القضائية في قانون التنظيم القضائي . والفصل الثالث : الرقابة على دستورية القوانين في العراق , تضمن مبحثين : المبحث الأول, الرقابة الدستورية في العراق من عام 1925 – 2003 تناولنا فيه الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام 1925 . فضلا" عن الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة في دستور عام 1958 , ودستور عام 1968 ,ودستور عام 1970. أما المبحث الثاني : الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005 , تناولنا فيه معالجة تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية , وعالجنا فيه إنشاء وتكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية مثل (المزج بين طريقتي الدفع الفرعي , والدعوى الأصلية ), وطريقة الدعوى المباشرة ( دعوى الإلغاء) و اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وتناولنا اختصاصاتها في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005. فضلا" عن إجراءات رفع الدعوى الدستورية وشروطها , وتطرقنا إلى إجراءات رفع الدعوى الدستورية في النظام الداخلي للمحكمة , وشروط الطعن أمام المحكمة , إضافة إلى الطعن من قبل الجهات الرسمية والأشخاص الطبيعية والمعنوية, وإجراءات الفصل في الطلبات والطعون. تحليل المصادر والمراجع: أما مصادر البحث فقد عاد الباحث إلى جملة من المصادر والمراجع التي لها علاقة وثيقة بموضوع البحث على الرغم من قلتها وشحتها وندرتها والتي شكلت عائقا" أمام الباحث , ومن المراجع التي اعتمدنا عليها , مبادئ القانون الدستوري والعلم السياسي , للدكتور إسماعيل مرزة , نظرية الدولة ونظرية الدستور للدكتور منذر الشاوي , القانون الدستوري والشرعية الدستورية للدكتور سامي جمال الدين , القانون الدستوري , النظم السياسية والقانون الدستوري للدكتور ماجد راغب الحلو , المحكمة الاتحادية العليا في العراق للأستاذ مكي ناجي , القضاء في العراق للقاضي مدحت المحمود, النظم السياسية والقانون الدستور للدكتور عبد الغني بسيوني عبدالله , وغيرها من المصادر المهمة التي تناولها الباحث لاسيما اعتمادنا على الدساتير والقوانين العربية والأجنبية فضلا" عن الدساتير العراقية منذ القانون الأساسي لعام 1925 إلى دستور العراق لعام 2005 , وبعض القوانين والأوامر العراقية ,لا سيما قانون المحكمة الاتحادية العليا , والنظام الداخلي للمحكمة, والمقالات والبحوث المنشورة على المواقع الالكترونية لشبكة الانترنت , والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات بغية الاستفادة منها والاطلاع عن كثب على جهود الباحثين في هذا المضمار محللين وناقدين ومضيفين . المعوقات: لا ننسى ما واجهتنا من صعوبات ومعوقات خلال البحث تجلى أهمها تردي الوضع الأمني وما ترتب عليه من سلبيات , وشحت المصادر والمراجع التي تخص موضوع الدراسة . وأخيرا" اختتمنا البحث بجملة من النتائج مدعومة بالحلول أو المقترحات اللازمة. أرجو من الله أن أكون قد وفقت في إتمام هذه الرسالة التي هي الآن بين أيادي أساتذة متخصصين أجلاّء ليلقوا الضوء على ما اعتراها من نقص وما الكمال إلا لله ومن الله التوفيق تمهيد التعــريف بالدستــور من المعروف إن مصطلح (دستور) يعد من المصطلحات التي استخدمت وما تزال تحتوي في معناها عدة دلالات تختلف باختلاف المستخدم لها ، لكن كل هذه الدلالات لا تبتعد عن دلالة ذات طبيعة فلسفية قانونية ، فقد نكون أمام دستور لدين معين أو دستور لمنظمة معينة أو حزب معين وغير ذلك ، ولكن أكثر الاستخدامات انتشاراً وشهرة وأهمية لمصطلح الدستور كانت ولا تزال تستخدم للدلالة على قانون ذي طبيعة خاصة ضمن النظام القانوني للدولة يسمى (دستور الدولة) وهو ما يهمنا في هذه الدراسة ، فما المقصود بدستور الدولة . من المعروف إن التوصل إلى تكوين الدولة يعد مرحلة مهمة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية نحو التنظيم ، وان فكرة تكوين ما يعرف بالدولة تقوم على أساس إيجاد تنظيم معين يقوم على أساس فكرة مفادها التمييز بين الحكام والمحكومين بحيث يكون للحكام تنظيم شؤون الدولة وبموجب ذلك يكون لهؤلاء الحكام سلطة على المحكومين( ) ، ولما كانت فكرة التنظيم بشكل عام تستند إلى فكرة القانون ، أي وجود قواعد قانونية تحقق هذا التنظيم ، ولما كانت الدولة تعد درجة متقدمة من درجات تنظيم المجتمعات الإنسانية ، فإن هذا يعني إن تنظيم الدول يحتاج إلى قانون أكثر تطوراً لتحقيق تنظيم اكبر يواكب التنظيم القائم على أساس الدولة وان هذا القانون يجب أن يحكم الأنشطة القائمة في الدولة كافة، ولما كانت فكرة الدولة تقوم على أساس التمييز بين الحكام والمحكومين فان هذا يعني إن هناك أنشطة مختلفة بطبيعتها في الدولة قائمة على أساس الاختلاف والتمييز بين الحكام والمحكومين، وإذا كانت هناك قوانين عادية تحكم وتنظم النشاط العادي للمحكومين فانه هناك حاجة إلى قوانين غير عادية ومتميزة لتحكم نشاط الحكام الذين تكون لهم مكانة غير عادية ومتميزة في الدولة ، ويصدر عنهم نشاط غير عادي ومميز سواء كان هذا النشاط موجهاً نحو الأفراد العاديين لتحقيق التنظيم أم نحو أمور الحكم والسلطة لتحقيق غاية التنظيم أيضا. ويحكم نشاط المحكومين بموجب مجموعة قوانين عادية تتفق وطبيعة الأفراد ومكانتهم، ومثال ذلك القوانين المدنية والتجارية والجزائية..الخ، أما نشاط السلطة والحكام فيحكم بموجب قواعد قانونية ذات خصوصية وتمييز تتفق وطبيعة أنشطة السلطة ومكانتها ودورها في التنظيم العام للدولة ، وقد سمي القانون الذي يضم هذه القواعد باسم الدستور ، فما هو الدستور؟. أولا" : تعريف الدستور لغةً (المدلول اللغوي) : تعددت التعاريف للدستور باختلاف وجهات النظر إليه فهناك من ينظر إلى الدستور على أساس المعنى اللغوي لكلمة (دستور) بينما هناك من يعرف الدستور على أساس شكلي أو رسمي في حين إن هناك من يركز على الناحية الموضوعية في تعريفه للدستور . في حين إن هناك من ينظر إليه من حيث الهدف من وجوده وذلك على أساس علاقته بفكرة السلطة والحرية. من الراجح إن كلمة (دستور) هي كلمة ليست عربية الأصل بل أنها كلمة فارسية ، ومعناها بحسب المعجم المستدرك للعلامة الدكتور مصطفى جواد (الوزير الكبير الذي يرجع إليه في الأمور وأصله الدفتر الذي يجمع فيه قوانين الملك وضوابطه فسمي به الوزير لأن ما فيه معلوم له أو لأنه مثله في الرجوع إليه لأنه في يده أو لأنه لا يفتح إلا عنده)( ) وقد أورد الدكتور منذر الشاوي عن طوبيا العنيسي في تفسير الألفاظ الدخيلة معنى آخر لكلمة الدستور على أساس إنها كلمة مركبة من كلمتي(دست) وتعني (يد) و(ور) وتعني صاحب ويراد بها قاعدة أساسية يرجع إليها كدفتر الجند أو مجموع قوانين الدولة( ).كما أن كلمة دستور تعني أيضا بالفارسية الأساس أو القاعدة أو الإذن أو الترخيص( ).أما في اللغتين الإنكليزية والفرنسية فإن المصطلح المستخدم للدلالة على الدستور هو مصطلح Constitution) ) البناء أو التأسيس أما في اللغة الإيطالية فان المصطلح المستخدم هو(Constituzion ) الذي يعني ذات المعنى المستخدم في اللغتين الإنكليزية والفرنسية. أ- المدلول الشكلي للدستور : يستند المدلول الشكلي في تعريف الدستور على أساس التركيز على الجانب الشكلي فيما يخص قانون الدستور ، بحيث يتم التمييز بينه وبين غيره من القوانين على أساس الشكل الخاص والمميز الذي يتخذه هذا القانون ، أي مظهره الخارجي وليس مضمونه ، وعلى أساس إصداره أو تعديله من قبل جهة خاصة ومميزة تختلف عن الجهة التي تصدر أو تعدل القوانين الأخرى ، وبموجب هذا المدلول يعرف الدستور بأنه ((الوثيقة التي تبين شكل الحكومة ونظام الحكم في الدولة))( ) كما يعرفه الدكتور عثمان خليل بأنه ((مجموعة القواعد الأساسية المنظمة للدولة التي صدرت في شكل وثيقة دستورية من السلطة المختصة بذلك))( ). وعلى هذا الأساس أيضا يعرف بأنه ((الوثيقة التي تصدر بصفة رسمية من السلطة التأسيسية ))( ). كما يذهب الدكتور ثروت بدوي إلى إن الدستور هو ((مجموعة القواعد التي تنظمها الوثيقة المسماة بالدستور والتي لا يمكن أن توضع أو تعدل إلا بعد إتباع إجراءات خاصة تختلف عن تلك الإجراءات المتبعة في وضع وتعديل القوانين العادية ))( ). وفي نفس الاتجاه يعرف بأنه الوثيقة التي تنظم عمل المؤسسات والتي تمتاز بان إعداد موادها وإصدارها وتعديلها لا يمكن أن يتم إلا بموجب شروط خاصة تختلف عن مثل هذه الشروط بالنسبة إلى القوانين العادية( ). يتضح من التعاريف السابقة إن أصحابها يستندون إلى الجانب الشكلي في تعاريفهم للدستور ، والجانب الشكلي إما أن يعني الشكل أو المظهر الذي يتخذه الدستور وهو أن يكون في وثيقة خاصة يطلق عليها تسمية الدستور ، أو أن الجانب الشكلي يعني الشكل أو الكيفية أو الإجراءات التي تصدر أو تعدل أو يلغى بموجبها الدستور ، بحيث يكون هذا الشكل في الحالتين شكلاً خاصاً ومميزاً عن القوانين العادية . أي انه وبموجب المعنى الأول للمدلول الشكلي فان الدستور هو مجموعة القواعد القانونية التي تتضمنها الوثيقة الخاصة المسماة دستور ، وهو بهذا المعنى يعني إن القواعد الدستورية تكون فقط محصورة في تلك الواردة في هذه الوثيقة ولا تشمل أية قواعد أخرى أيا كان موضوعها إذا كانت واردة في وثائق أخرى أو إذا كانت غير مدونة . أما المعنى الآخر للمدلول الشكلي فيعني إن الدستور هو مجموعة القواعد الصادرة بطريقة خاصة ومن قبل جهة خاصة وتحتاج لتعديلها أو إلغائها إجراءات خاصة مختلفة عن الإجراءات المتبعة لهذه الأغراض بالنسبة إلى القوانين العادية وهو بهذا المعنى لا يشمل أية قواعد تكون صادرة بطرق عادية أو يمكن تعديلها أو إلغائها بطرق عادية. كما يتضح من التعاريف السابقة إن أصحاب المدلول الشكلي إما أن يركزوا على جانب شكل الوثيقة أو إنهم يركزون على الإجراءات الخاصة بالإصدار أو إنهم يركزون على الجانبين معاً عندما يشترطون أن تكون القواعد في وثيقة خاصة يشترط لإصدارها أو تعديلها أو إلغائها إجراءات خاصة. وقد تعرض تعريف الدستور بالاستناد إلى المدلول الشكلي إلى العديد من الانتقادات التي يمكن تلخيص أهمها في كون الأخذ بالمعيار الشكلي لتحديد المقصود بالدستور يؤدي إلى إنكار وجود الدستور في العديد من دول العالم ، وهي تلك الدول التي لا يوجد فيها دساتير مكتوبة ، والمثال الأهم على هذه الحالة إنجلترا التي تحكمها قواعد دستورية ذات مصدر عرفي ، في حين إن الواقع والضرورات المبدئية لوجود الدستور تقتضي أن يكون هناك دستور في كل دولة وذلك لغرض بيان شكل الدولة وشكل نظام الحكم فيها وتنظيم العلاقات بين السلطات كحد أدنى مطلوب من التنظيم في الدولة، ويستوي هنا أن يكون الدستور مكتوباً أو عرفياً( ). وكذلك يؤدي الأخذ بالمعيار الشكلي إلى عدم إمكانية تعريف الدستور بشكل دقيق لجميع القواعد المرتبطة في وجودها بالدستور ، حيث إن كثيرا" مالا تتضمن الوثيقة الدستورية كافة القواعد المرتبطة بفكرة الدستور والمتعلقة بتحديد نظام الحكم وكيفية ممارسة السلطة وغير ذلك من القواعد المرتبطة بفكرة الدستور، وان المدلول الشكلي يؤدي إلى عدم اعتبارها قواعد دستورية وينكر عليها هذه الصفة وما يترتب على الاتصاف بها من آثار قانونية ومثال ذلك أن تكون هناك قواعد عرفية مرتبطة بفكرة الدستور لكنها غير منصوص عليها في وثيقة الدستور ، وهنا سوف يكون الحكم هو عدم اعتبارها قواعد دستورية( ). كما أن الأخذ بالمعيار الشكلي لتعريف الدستور يؤدي إلى أن يصار إلى أن الدستور يتضمن قواعد بعيدة في موضوعاتها عن فكرة الدستور والغاية من وجوده ، وان هذه القواعد تعتبر دستورية لكونها داخلة ضمن الوثيقة الدستورية ومثال ذلك إن هناك العديد من الدساتير تتضمن بين قواعدها قواعد تتعلق بتنظيم أمور بعيدة عن فكرة الدستور ،كتنظيم القضاء أو تحريم ذبح الحيوانات أو تنظيم صيد الأسماك ،كالدساتير الفرنسية بعد ثورة ( 1789) والدساتير السويسرية والأمريكية( ). كما أن تعريف الدستور على انه القواعد الواردة في وثيقة واحدة هي الدستور، يؤدي إلى تناقض مع الواقع في حالات معينة تصدر فيها أكثر من وثيقة دستورية واحدة، كما كان عليه الحال في دستور سنة (1875) الفرنسي الذي صدر في ثلاث وثائق دستورية( ). ب - المدلول الموضوعي للدستور : يستند المدلول الموضوعي في تعريف الدستور على أساس التركيز على مضمون أو موضوع مادة هذا القانون ، أي ما تتناوله مواده أو قواعده من موضوعات ، وليس على أساس الشكل أو الصفة أو المظهر الخارجي الذي يظهر فيه القانون . أي إن التمييز بين قواعد الدستور وبين غيره من القواعد القانونية يتم على أساس معيار موضوع هذه القواعد وما تختص به من حيث التنظيم ، وبموجب هذا المعيار يعرف الدستور بأنه ((مجموعة القواعد التي تنظم السلطات العليا في الدولة ،مهما يكن مصدرها وشكلها ، سواء كانت مكتوبة أم عرفية غير مدونة ))( ). كما عرفه الدكتور محسن خليل بأنه ((مجموعة القواعد القانونية التي تبين نظام الحكم في الدولة))( ). ويعرفه الدكتور كمال غالي بأنه ((مجموعة القواعد التي تنظم تأسيس السلطة وانتقالها وممارستها، أي تلك المتعلقة بالتنظيم السياسي))( ). يتضح من التعاريف السابقة أنها تركز على مادية الدستور ، أي المادة أو الموضوع الذي يحتويه الدستور إذ إن الدستور وجد كقانون لينظم مسائل معينة ومحددة وذات خصوصية. وان وجوده لتحقيق هذا الهدف لا يشترط فيه أن يتخذ شكلاً معيناً كان يكون على شكل وثيقة مكتوبة معينة يطلق عليها اسم الدستور إذ يمكن أن يكون عرفيا أو مكتوبا ، كما انه لا يشترط أن تصدر قواعده بموجب شكلية أو إجراءات معينة تختلف عن تلك الشكلية بالنسبة إلى إصدار القوانين العادية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تعديل هذه القواعد أو إلغائها، وإنما يكون القانون دستورا" إذا كانت له خصوصية في تنظيم مسائل معينة من المسائل العديدة التي تحتاج إلى التنظيم في الدولة ، وهذه المواضيع هي مواضيع تتعلق بالسلطة وتنظيم ممارستها لعملها وعملية انتقال السلطة وتقسيم السلطة إلى سلطات وتقسيم المهام فيما بينها على أساس الاختصاص وتنظيم العلاقة بين هذه السلطات وغير ذلك من المسائل( ). وعليه وبموجب هذا المدلول تعد القاعدة دستورية إذا كانت فيها صفة معالجة مثل هذه الموضوعات والتعامل معها. وهنا وبموجب هذا المعيار يستوي أن تتخذ هذه القاعدة أي شكل . كما ويترتب على الأخذ بهذا المعيار تحقق نتيجة مفادها انه يجب الإقرار بوجود دستور لكل دولة، إذ انه من المعروف انه لا يتصور أن يكون هناك دولة لا توجد فيها قواعد تتعلق بنظام الحكم وتنظيمه( ).هذا ويذهب اغلب الفقه إلى تأييد المدلول الموضوعي عند تعريف الدستور. ونحن نؤيد ذلك ونعرف الدستور بأنه ( مجموعة القواعد القانونية التي يتم بمقتضاها تنظيم الدولة وممارسة السلطة بينها وتوزيع الاختصاصات فضلا" عن حقوق وحريات المواطنين) ثانيا" : مبدأ سمو الدستور من المبادئ المسلم بها في النظم الديمقراطية أن يمثل الدستور الوثيقة القانونية العليا واجبة الاحترام من السلطات الأساسية الثلاث في الدولة , بحكم أن الدستور يتضمن المبادئ القانونية التي تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقته بالمواطنين , وينظم السلطات العامة في الدولة , وحقوق وحريات الأفراد 0 ويعد الدستور أعلى التشريعات في الدولة ويقع في قمة الهرم القانوني, ويسمو على القواعد القانونية الأخرى جميعا" مما ينبغي أن تلتزم سلطات الدولة جميعها بالتقيد بأحكامه وإلا عدت تصرفاتها غير مشروعة ( ) و أساس علوية الدستور نشأة من فكرة قديمة في القرن السابع عشر والثامن عشر في أوربا عند فلاسفة القانون الطبيعي . فقد تصور الفلاسفة في أوربا وجود عقد اجتماعي هو أساس السلطة في الدولة و بالنسبة لهم أن الدستور هو بلورة للعقد الاجتماعي , والعقد الاجتماعي هو الذي يخلق أو ينشئ الدولة , فالدستور الذي أنشأ الدولة أو السلطة يقوم كذلك بتنظيم هذه الدولة أو بتنظيم ممارسة السلطة فيها0 و الدستور هو الذي يحدد من يقوم بوضع القوانين للأفراد ( السلطة التشريعية) وهو الذي يحدد من يقوم وكيف يقوم بتنفيذ هذه القوانين ( السلطة التنفيذية) وهو الذي يبين كيف تطبق هذه القوانين على الأفراد ( السلطة القضائية ) وبناء" عليه فان هذه السلطات أو هذه الهيئات المتعددة التي تمارس السلطة في الدولة تخضع في نشاطها أو في ممارستها للدستور, وهذا الخضوع منطقي لان الدستور هو الذي اوجد هذه السلطات وحدد اختصاصاتها , أي حدد طريقة وحدود نشاطها بعبارة أخرى أن الدستور هو الذي حدد من يمارس السلطة في الدولة وكيف تمارس هذه السلطة ومدى هذه الممارسة , وعليه فان السلطات في الدولة مدينة بوجودها إلى الدستور لأنه هو الذي أوجدها فهي سلطات مشتقة من الدستور وبالتالي خاضعة له وعليه فمنذ ذلك الحين نشأت العادة إلى اعتبار أن هناك تدرجا" بين القواعد القانونية في الدولة وبمقتضاه يعلو الدستور على جميع السلطات التي تضع هذه القواعد ( ) ويتصل مبدأ سمو الدستور بمبدأ المشروعية(*) le principe de legalite بصلة وثيقة وحتمية , لان مبدأ سمو الدستور يتضمن مبدأ المشروعية وذلك لأنه إذا كان مبدأ المشروعية يعني خضوع الحكام والمحكومين لسيطرة أحكام القانون بحيث لا يصدر أي قرار إلا في حدود القانون , وانه يجب على كل سلطة أن تحترم القانون , فان مبدأ سمو الدستور يدعم ويقوي مبدأ المشروعية ويوسع من نطاقه لأنه يتطلب خضوع الحكام والمحكومين لقواعده من ناحية , وخضوع التشريعات واللوائح والقرارات النافذة في الدولة لأحكامه من ناحية أخرى , وبذلك يتمثل الدستور بسموه وعلوه قمة المشروعية في الدولة وعلى منواله وبالاتفاق مع أحكامه يجب أن تصدر جميع القوانين فيها وعلى جميع الحكام الالتزام بأحكامه وإلا كانت تصرفاتهم باطلة وفاقدة لكل قيمة ( ) وتأكيدا لمبدأ علوية الدستور وإقراره نصت الدول في صلب وثائقها الدستورية عليه وكان الدستور الأمريكي لعام 1787 ,أول دستور ينص على مبدأ سمو الدستور حيث أكدت المادة (6/2) منه على هذا المبدأ ( ) ومن خلال الرقابة على دستورية القوانين يتم التحقق من مخالفة القوانين للدستور تمهيدا" لعدم إصدارها إذا كانت لم تصدر , أو لإلغائها أو للامتناع عن تطبيقها إذا كان تم اصدارها0 وتنتظم التشريعات العادية في بلاد الدساتير الجامدة عادة" على ثلاث درجات بعضها فوق بعض فتختلف في قوتها, ويحرم على الأدنى منها مخالفة الأعلى وتأتي في قمة هذه التشريعات التشريع الدستوري , يعقبه التشريع العادي , ثم في النهاية التشريع الفرعي الذي يتمثل في اللوائح الإدارية ( ) وهذا التدرج في الأدوات التشريعية يؤدي إلى نتيجة مهمة هي أن القواعد المقررة في الدستور تعد أسمى من القواعد المقررة في قانون عادي , وهذه الأخيرة بدورها أقوى من القواعد المقررة في لائحة , وهكذا تتدرج القواعد القانونية , ويسمى مبدأ تدرج التشريع , ويترتب على هذا المبدأ نتيجتان مهمتان: النتيجة الأولى :إن التشريع لا يلغيه إلا تشريع مماثل له في قوته أو أعلى منه , فالتشريع الدستوري لا يلغيه أو يعدله إلا تشريع دستوري مثله بالوسائل والإجراءات التي نص عليها الدستور نفسه , كما أن التشريع الدستوري يملك إلغاء أو تعديل كل من القوانين واللوائح , أما القانون فانه لا يلغى ولا يعدل على الأقل إلا بقانون مثله , كما أنه يعدل أو يلغي اللوائح , أما اللائحة فإنها تعدل أو تلغى بالدستور والقوانين , ولكنها لا تستطيع أن تعدل أو تلغي إلا لائحة مثلها 0 النتيجة الثانية: إن الدستور يعد ملزما" لكل السلطات العامة التي أساسها الدستور ومن بينها السلطة التشريعية , وعلى ذلك فلا يجوز للقانون الصادر من السلطة التشريعية أن يخالف القواعد والأحكام المقررة في الدستور , كما أن اللوائح لا يجوز أن تتضمن من القواعد ما يخالف الدستور والقوانين , وبناء" على ذلك فانه لو صدر قانون يخالف الدستور أو صدرت لائحة تخالف الدستور أو القانون فإنها تعد غير قانونية لصدورها متجاوزة حدود القاعدة الأقوى منها , وبما أن التدرج في القواعد فضلا عن تدوينها قد تقرر أساسا لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم , كان لابد من تقرير وسيلة فعّالة أو رقابة خاصة تحول دون اعتداء القانون على الدستور وكذلك اعتداء اللائحة على القانون أو الدستور ( ) ولضمان مبدأ سمو الدستور فقد تنشأ رقابة على القوانين العادية بحيث لا تكون هذه القوانين مخالفة للنصوص الدستورية الموجودة في الدساتير المكتوبة , أي توضع رقابة المشرع الذي يصدر القوانين العادية , وبطبيعة الحال يجب أن يعهد إلى هيئة معينة غير التي تشرع هذه القوانين لضمان عدم معارضتها للدستور وذلك لان وضع هذه الرقابة بيد السلطة التشريعية يعني بالتالي التفاف هذه الهيئة على المبدأ القائل بوجوب مراقبة دستورية القوانين لأنه من غير المتصور إن السلطة التي تضع القانون تراقب نفسها ( ) إن الدستور يتمتع بسمو مادي, وسمو شكلي, يجعله متربعا" على قمة الهرم القانوني في الدولة وعلى التشريعات الأخرى إلا الانقياد لأحكامه وعدم الخروج عليها مضمونا" وشكلا", ولكن كيف السبيل لضمان دستورية القوانين ؟ إن السبيل الأوحد للضمان المذكور هو نظام الرقابة على دستورية القوانين 0 والرقابة المذكورة قد تكون سياسية أو قضائية, سابقة أو لاحقة لصدور التشريع , والرقابة القضائية أما أن تكون رقابة امتناع أو رقابة إلغاء ففي الطريقة الأولى فان القضاء يمتنع عن تطبيق القانون المخالف للدستور على المنازعة المرمية في ساحته ولكنه يبقى نافذا مؤثرا" في مواجهة الآخرين من غير أطراف الدعوى في حين يستطيع القضاء في رقابة الإلغاء إلغاء القانون المخالف للدستور وعده كأن لم يكن شيئا مذكورا 0 ولم تنتهج دساتير الدول نهجا" واحدا" فيما يخص الرقابة على دستورية القوانين ( ) وتختلف الرقابة على دستورية القوانين من دستور لأخرى, فبعض الدساتير تمنع الرقابة على دستورية القوانين بشكل صريح مثال ذلك الدستور البلجيكي لعام (1831) والدستور البولوني لعام (1921) , غير أن أغلب الأنظمة الحديثة التي تبنت مبدأ الرقابة على دستورية القوانين تفضل الاعتماد على الهيئة القضائية المكونة من حقوقيين , وكانت الولايات المتحدة قد سبقت الجميع على اعتماده عندما تبنت اجتهاد المحكمة العليا , وأقرت باختصاصها في إجراء الرقابة على دستورية القوانين , وقلدت سويسرا الولايات المتحدة في هذا المضمار فكان دستورها لعام (1874) , وان يكن ذلك محصورا" بالقوانين الصادرة عن الكانتونات دون الدولة الفدرالية , وحاولت بعض المحاكم الفرنسية في عهد الجمهورية الثالثة لعام (1875) , التشبه من حيث الاجتهاد بالمحكمة العليا الأمريكية فاصطدمت بمعارضة البرلمان ومحكمة التمييز ومجلس الدولة , ولكن الجمهورية الرابعة لعام (1946 ), استطاعت تذليل الصعوبات وإدخال مبدأ الرقابة على دستورها وتبوأ المبدأ مكانة مرموقة في دستور الجمهورية الخامسة الحالية0 ومن الجدير بالذكر أن لبنان قد تأثر بالتجربة الفرنسية وسارع إلى تعديل دستوره والنص على إنشاء المجلس الدستوري ( ) وقد انتبه واضعو قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , الدستور المؤقت في حينه إلى أهمية الرقابة على دستورية القوانين ونصت المادة (44/أ) منه (( يجري تشكيل محكمة في العراق بقانون تسمى المحكمة الاتحادية العليا )) ( )وقد اصدر مجلس الوزراء بعد موافقة مجلس الرئاسة وحسب صلاحياته التشريعية الأمر رقم (30 في 24/ 5/ 2005) قانون المحكمة الاتحادية العليا , حيث استند الأمر إلى أحكام المادة الرابعة والأربعون من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , والقسم الثاني من ملحقه , وبناء على موافقة مجلس الرئاسة0 وجاء في المادة الأولى من قانون المحكمة (( تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها بشكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون )) ( ) كما وان دستور العراق لعام 2005 نص على تشكيل المحكمة الاتحادية العليا وأن كان بشكل يختلف عن تكوينها الذي نص عليه قانون إدارة الدولة وقانون المحكمة النافذ حيث ذكر في المادة (92/ ثانيا) (( تتكون المحكمة من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظيم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب))( ) فالدستور العراقي لم يغفل النص على تشكيل المحكمة ومراقبتها على دستورية القوانين ولها الكثير من الاجتهادات والأحكام الصادرة بهذا الشأن نستند إلى بعضها في الفصل الثالث من خلال تناولنا للرقابة على دستورية القوانين في العراق . وكل ما نريد أن نصل إليه أن الرقابة على دستورية القوانين لا ينتج أثرها ما لم يكن هناك إيمان وتطبيق لمبدأ المشروعية ووجود قضاء مستقل لا تمارس عليه الضغوط السياسية والحزبية من أي جهة كانت , لكي يتسنى لدولة القانون أن يسود فيها القانون ولا تتحقق سيادة القانون ما لم تكن هناك رقابة حقيقية على دستورية القوانين0 إن مبدأ سمو الدستور يفترض وجود (دستور) وان يتصف هذا الدستور باحترام خاص ومميز عن بقية القوانين قائم على أساس السمو والعلو لهذا الدستور . وان هذا الافتراض يفترض وجوده في جميع الدساتير وذلك انطلاقاً من فكرة وفلسفة الدستور القائمة على هذا الأساس ، ولكن الواقع العملي لا يتفق مع ذلك إذ نجد أن ذلك قد يكون متحققاً في دساتير معينة وغير متحقق في دساتير أخرى ، وان مدى تحقق ذلك يختلف أيضا" من دستور إلى آخر وذلك تبعاً لاعتبارات معينة مادية وظرفية خاصة بكل دستور. حيث لا يتصور وجود السمو للدستور في النظم الديكتاتورية سواء كانت ظاهرة بشكل صريح أم كانت مقنعة ، حيث إن الاحترام المقصود في المبدأ يقتضي من الحكام تفعيله قبل غيرهم ممن يخضعون للدستور ، بشكل غير مباشر ، في حين إن النظم الديكتاتورية تكون قائمة على أساس العنف والاستبداد وعدم احترام القوانين وعلى رأسها الدستور الذي يخاطبهم بأحكام مباشرة للتقييد من سلطاتهم . أي أن مبدأ سيادة الدستور هو في حقيقته مبدأ خاص بالنظم الديمقراطية لذلك نجد إن النظم غير الديمقراطية تبتعد عنه وتحاربه ولا تقبل به لان الدستور هو المظهر الأساسي لشريعة الحق ، والفوضوية تنكر الحق ومن المهم القول انه وبعد الثورة الفرنسية ساد مبدأ سمو الدستور في الفقه الدستوري الأوربي ومن الدساتير الأوربية التي نصت علية صراحة الدستور التشيكوسلوفاكي لعام 1920 (م10) وكذلك الدستور الايطالي لعام (1947) , إذ نصت هذه الدساتير على أنها تتمتع بقوة ملزمة لجميع السلطات العامة في الدولة إلا أن مبدأ سمو الدستور لم يقتصر فقط على دساتير الديمقراطيات الغربية بل امتد وشمل دساتير الدول الاشتراكية أيضا ومنها دستور الاتحاد السوفيتي السابق لعام (1977) إذ نص على أنه (( لدستور الاتحاد السوفيتي قوة القانون الأعلى وجميع القوانين وسائر مقررات هيئات الدولة تصدر على أساس دستور الاتحاد السوفيتي ووفقا له)) ( ) وقد نص دستور ألمانيا الديمقراطية الصادر عام (1968) على أنه (( لا يجوز للتعاليم القانونية أن تتعارض مع الدستور ويقرر مجلس الشعب صحة دستورية التعاليم القانونية في حالة الشك فيها )) ( ) وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من البلدان العربية في الوقت الحاضر نصت دساتيرها على هذا المبدأ نتيجة لتطور الوضع السياسي والقانوني, وقد أخذ بهذا المبدأ دستور العراق لعام( 2005) ( ) ثالثا" : الدساتير الجامدة ومبدأ سمو الدستور تنقسم الدساتير من حيث إجراءات تعديلها إلى دساتير جامدة , ودساتير مرنة, وهذا التقسيم له أهمية خاصة في مجال الرقابة على دستورية القوانين , فليس هناك من حاجة لوجود هذه الرقابة الدستورية إلا في ظل وجود الدساتير الجامدة ذلك لوجود سلطتين هما السلطة التأسيسية التي وضعت الدستور , والسلطة التشريعية التي تضع القانون العادي وفيما يخص الدساتير المرنة فتوجد سلطة واحدة تملك حق تعديل القوانين العادية والدستورية ( ) ومن ثم فأن الدستور الجامد وهو الدستور الذي يشترط لتعديل أحكامه إتباع إجراءات أشد من تلك المتبعة في تعديل القانون العادي , ويتميز هذا النوع من الدساتير بأنه يتفق مع طبيعة القواعد الدستورية وعلو مكانتها من الناحية الموضوعية عن مكانة القوانين العادية كما يضفي على أحكام الدستور قدرا" من الثبات والاستقرار ويجعله في مأمن من اعتداءات السلطة التشريعية ( ) أما الدستور المرن فهو الدستور الذي يمكن تعديل أحكامه بإتباع نفس الإجراءات التي تتبع في تعديل أحكام القانون العادي , ويتميز بسهولة تعديله مما ييسر تلاؤمه مع تطور ظروف المجتمع الذي ينظمه , غير أن الدستور المرن لا يوفر لنصوصه القوة اللازمة لفرض احترامها على السلطة التشريعية , إذ تستطيع هذه الأخيرة تعديل أحكامه بقوانين تصدر منها وتكون لها نفس قوة قواعد هذا الدستور ( ) ومن أمثلة الدساتير المرنة المدونة دستور عام (1814) ودستور (1830) في فرنسا, ومن أمثلة الدساتير المرنة العرفية الدستور البريطاني, ومن خلال ذلك يتضح أن الدستور المرن يكون مدونا" كما قد يكون غير مدون فلا تلازم بين مرونة الدستور وعدم تدوينه أو صفته العرفية 0 وعلى ذلك فالمرونة لا تتحقق فحسب بإجراءات التعديل المماثل لإجراءات سن القوانين أو تعديلها وإنما تتحقق أيضا من خلال التفسير المرن لنصوص الدستور ذاتها , وهو أمر يتصل بدوره بصياغة أحكام هذا الدستور و يتحقق كذلك إذا اقتصر الأمر على حظر مخالفته بنص صريح أو تقرير وتنظيم طريق الرقابة على دستورية القوانين استنادا" إلى مبدأ سمو الدستور,فان الربط بين جمود الدستور وإجراءات التعديل وحدها بصرف النظر عن طريقة وضعه أمر يحتاج إلى إعادة النظر لان الأصل هو سمو الدستور وجموده وهو أمر يغفله كثير من الفقهاء ومن ثم فانه في حالة غياب النص على إجراءات التعديل , فالمرجع هو إجراءات وضع الدستور وإقراره وفقا لقاعدة تقابل أو توازي الأشكال , ولذلك لا يسوغ وصف الدستور بالمرونة إلا إذا كان هناك نص صريح في الدستور يقضي بإتباع إجراءات سن القوانين العادية بصدد تعديل الدستور ولعل حرص المشرع الدستوري في معظم دساتير العالم على تقرير إجراءات خاصة لتعديل الدستور مبعثه التخفيف من هذه الإجراءات فيما لو اتبعنا إجراءات وضعه وإقراره وفقا لقاعدة توازي الإجراءات والأشكال وان كان ذلك ليس شرطا" إذ نجد أحيانا" أن إجراءات التعديل تكون أشد من إجراءات وضع الدستور ( ) وعلى ما تقدم فان مبدأ سمو الدستور لا يظهر بشكل واضح إلا في الدساتير الجامدة ، تلك الدساتير التي يلزم لتعديلها إجراءات معقدة تختلف عن الإجراءات اللازمة لتعديل القوانين العادية( ) حيث إن هذا النوع من الدساتير يعطي خصوصية للدستور تسهم في تفعيل مبدأ السمو ، بحيث تكون ميزة الدستور في العلو واضحة وذلك من حيث انه لا يعدل أو يلغى بذات الإجراءات الشكلية التي يعدل أو يلغى بها القانون العادي . وعلى أساس وجود العلاقة بين سمو الدستور وجمود الدستور نستطيع أن نعرف مدى اتصاف الدستور بالسمو من خلال معرفة أن جمود الدستور لا يكون دائماً جموداً مطلقاً بل انه يمكن أن يكون كذلك كما انه يمكن أن يكون جموداً نسبياً ، ويكون الجمود مطلقاً إذا كان هناك حضر مطلق على تعديل الدستور جزئياً أو كلياً ، أما الجمود النسبي فيكون عندما لا يكون هناك حضر مطلق بل إن الأمر يقتصر على كون تعديل الدستور جزئياً أو كلياً يحتاج إلى إجراءات شكلية تختلف عنها بالنسبة إلى القوانين العادية( ) وعلى هذا الأساس وبالنسبة إلى درجة السمو يمكن القول انه كلما ارتفع مستوى جمود الدستور كلما تكرس ذلك لمصلحة مبدأ سمو الدستور . أ - ثبات القوانين الدستورية : حيث ينتج عن جمود الدستور ثبات للقوانين الدستورية ، ويكون ذلك من خلال كون المشرع العادي وبالإجراءات العادية لا يتمكن من تعديل النصوص الدستورية ، ويقصد من تحقيق هذا الثبات تحقيق نوع من الاستقرار لهذه القواعد وليس مجرد التجميد غير الهادف( ) حيث أن الشطط في الجمود لنصوص الدستور قد يتسبب في إيجاد بون شاسع بين أحكام الدستور والواقع العملي ، بحيث يصبح الدستور غير قادر على مواكبة تطورات المجتمع والتكيف معها ( )غير أن ثبات الدستور أو جموده يجب أن يكون نسبيا" في سبيل مسايرة أحكام الدستور لتطور الظروف والأوضاع في المجتمع ومعظم دساتير العالم الحديث من الدساتير الجامدة ومن أمثلة الدساتير الجامدة المكتوبة , الدساتير المصرية الصادرة منذ دستور (1923 ) حتى دستور (1971 ), ومن أمثلة الدساتير الجامدة العراقية دستور عام (1925) , ومن أمثلة الدساتير الجامدة غير المكتوبة القوانين الأساسية للمملكة الفرنسية قبل ثورة( 1789 ), وهي قواعد عرفية لم يكن من الجائز تعديلها بإتباع الإجراءات التشريعية العادية وفي ذلك يتضح أيضا أنه لا تلازم بين جمود الدستور وتدوينه , كما أنه لا تلازم بين مرونته وصفته العرفية وعلى ذلك فأن هذا الثبات لابد وان يكون بالقدر الذي يحقق التوازن بين هدف تحقيق الاستقرار المتفق مع سمو الدستور وتحقيق المواكبة والتفاعل مع تطورات المجتمع ، ولهذا نجد إن الفقهاء ذهبوا إلى جواز التعديل وفقا لإجراءات معينة ، حيث ذهب البعض إلى كون ذلك يحتاج إلى الموافقة الإجماعية للشعب ومن أنصار هذا الرأي الفقيه Vattel) ) في حين ذهب رأي آخر إلى إمكانية تعديل الدستور ومواكبة التطورات في المجتمع وذلك بإتباع الإجراءات التي ينص عليها ذات الدستور ومن قبل السلطة المحددة فيه ، ومن أنصار هذا الرأي الفقيه (Rousseau)( ) ب- تدرج القوانين تعد القاعدة التي تفيد بان القانون الدستوري لا يلغى إلا بقانون دستوري من القواعد ذات الأهمية البالغة لتأكيد مبدأ سمو الدستور ، وقد كانت هذه القاعدة من القواعد المهمة التي قررها رجال الثورة الفرنسية وذلك لتدعيم وتفعيل مبدأ سمو الدستور( ) وبموجب هذه القاعدة لا يمكن إلغاء أو تعديل القاعدة الدستورية إلا بقاعدة دستورية تكون بمستواها من حيث القوة الإلزامية ومن المعروف إن مفهوم تدرج القوانين يقضي بان لا يكون بمستوى القاعدة الدستورية من حيث الإلزام والعلو إلا قاعدة دستورية أخرى ، ولذلك فالقاعدة الدستورية التي تستقر عن طريق العرف تستطيع إلغاء قاعدة دستورية مدونة والعكس صحيح ( ) في حين لا يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى القاعدة القانونية العادية حيث يمكن تعديلها بقاعدة دستورية جديدة في حين لا تستطيع هي أن تعدل قاعدة دستورية سابقة عليها وذلك انطلاقا من قاعدة تفيد بكون القانون الأدنى لا يستطيع أن يعدل أو يلغي القانون الأعلى منه ( ). ت - نتائج سمو الدستور : تعد دستورية القوانين من أهم النتائج المترتبة على سمو الدستور ، وذلك بان تكون كافة القوانين العادية متفقة مع الدستور ، بحيث انه يجب أن تصدر القوانين العادية من السلطة التشريعية في نطاق ما تتضمنه القوانين الدستورية من قواعد وأحكام وبذلك يمتنع على القوانين العادية أن تخالف القوانين الدستورية ، وان أي قانون عادي يكون مخالف لقانون دستوري يكون قانونا باطلا" وذلك لكونه قانون غير دستوري ، أو مخالف لأحكام الدستور( ) . وتعد دستورية القوانين نتيجة منطقية لسمو القوانين الدستورية . إذا ما كانت القوانين الدستورية أسمى من القوانين العادية فان هذه الأخيرة لا يصح أن تخالفها ويجب عليها أن تسير ضمن إطار الدستورية. ( ) ويتضح تأثير سمو الدستور وفاعليته لتحقيق الغاية من وجود الدستور في كونه يتجسد في هذه النتيجة بشكل مباشر من حيث التأثير في انه وبموجب هذا الأثر تحكم قواعد وأحكام الدستور جميع أوجه النشاط المنظم في الدولة ، ويكون ذلك من خلال سريان اثر أحكام الدستور على أوجه النشاط الأخرى في المجتمع والتي لا يحكمها الدستور بشكل مباشر ، والتي يجب أن تكون خاضعة له طبقا لفكرة الدستور وفلسفته في الوصول إلى أهدافه حيث انه من المعلوم إن الدستور يحكم مسائل معينة بشكل مباشر ، ألا وهي تلك المسائل التي تدخل ضمن موضوعاته التي تطرقنا إليها فيما تقدم، ولكنه وبموجب مفهوم ( دستورية القوانين ) سوف يحكم وبشكل غير مباشر جميع أوجه النشاط الأخرى التي تحكمها القوانين العادية وذلك من خلال حكم هذه القوانين نفسها وتسيرها على نحو يتفق مع أحكامه وبذلك يصبح الدستور حاكما" لكل ما موجود في الدولة من حكام ومحكومين وذلك في جميع أوجه النشاط والعلاقات التي تنظم بموجب القانون . وتكون هذه الإمكانية للدستور فعالة من خلال الأثر المترتب على مخالفة الدستور ألا وهو بطلان الأنشطة والقوانين المخالفة . ولكن السؤال الذي يثار هنا هو ، هل إن تفعيل دستورية القوانين يحتاج إلى نص صريح في الدستور يشير إلى ذلك ؟ على الرغم من كون بعض الدساتير تذهب إلى الإشارة الصريحة إلى البطلان بالنسبة إلى القوانين التي تصدر مخالفة لأحكامها ، فان اتجاه الفقه يذهب إلى أن تقرير هذا البطلان لا يحتاج إلى وجود مثل هذا النص ، حيث انه أمر يتقرر ضمنا" وكنتيجة منطقية لفكرة جمود الدستور المرتبطة بفكرة السمو ( ) . وإذا علمنا أن نتيجة البطلان المترتبة منطقيا على مبدأ سمو الدستور هي الأثر المترتب على حالة عدم الدستورية سواء تم إقرار ذلك صراحة أم ضمنا" ، نتساءل عن كفاية هذا الحكم لتفعيل دستورية القوانين ؟ وكيف يتم تقرير هذا الحكم ؟ إن حقيقة الأمر أن الكثير من الدول لا تكتفي بجزاء البطلان كنتيجة على عدم دستورية القوانين ، بل إنها تذهب إلى إيجاد آلية معينة لتفعيل ذلك وضمان الدستورية ويكون ذلك بالأخذ بآلية الرقابة على دستورية القوانين والتي تتخذ أكثر من صورة أو شكلية باختلاف الدول التي تأخذ بها . وتتلخص فكرة الرقابة بإيجاد آلية معينة لحماية أحكام الدستور ومراقبة مدى اتفاق القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية ، ويكون ذلك من خلال هيئات سياسية أو قضائية وقد تكون هذه الرقابة سابقة على صدور القوانين أو قد تكون لاحقة على إصدارها ، أي إنها أما أن تكون وقائية أو علاجية . وتعد آلية الرقابة هذه بأنواعها وأشكالها من الوسائل الناجحة لإعمال الدستور . ويختلف مدى نجاحها وفاعليتها بحسب نوعها وإجراءاتها ، ومن الدول التي أخذت بها فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا ومصر والكويت والسودان( ). و العراق في قانون إدارة الدولة لعام (2004) ودستور عام (2005). ونخلص من كل ما تقدم إن الدستور قانون ، وانه قانون ذو خصوصية ، وتنبع هذه الخصوصية من أهمية أحكامه من الناحية الموضوعية والشخصية ، حيث انه من الناحية الموضوعية ينظم مسائل معينة في غاية الأهمية بالنسبة إلى الدولة ومن الناحية الشخصية فانه يخاطب بأحكامه كل ما موجود في الدولة من أشخاص وعلى رأسهم الحكام وان هذه الخصوصية لقانون الدستور جعلت أحكامه تمتاز بالسمو والسيادة على كل ما موجود في الدولة وضرورة تفعيل ذلك أعطته شكلية معينة لتفعيل ذلك باعتباره الإطار التنظيمي العام لكل ما موجود في الدولة من أنشطة وعلاقات تحتاج إلى تدخل القانون لتنظيمها الفصل الأول طرق الرقابة على دستورية القوانين تختلف الدول في تنظيم الرقابة على دستورية القوانين, فبعض دساتيرها تمنع الرقابة بشكل صريح كما أشرنا إليها سابقا"، أما الدول التي تأخذ بالرقابة على دستورية القوانين فإنها تختلف من حيث الجهة التي تتولى الرقابة , ومدى ما يمنحها القانون من صلاحيات في هذا الشأن حيث أن أنواع الرقابة تتعدد وتختلف من نظام لآخر تبعا لاختلاف التنظيم الدستوري كما تختلف هذه الرقابة في آلياتها, فمنها من اعتمد طريق الرقابة السياسية ومنها من اعتمد طريق الرقابة القضائية على دستورية القوانين وتأسيسا" على ذلك نتعرف في هذا الفصل إلى ثلاث مباحث متتالية: المبحث الأول: الرقابة السياسية على دستورية القوانين المبحث الثاني: الرقابة القضائية على دستورية القوانين المبحث الثالث: أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين المبحث الأول الرقابة السياسية على دستورية القوانين الرقابة على دستورية القوانين قد تتولاها هيئة سياسية فتسمى عند ذلك بالرقابة السياسية,ومن خلال هذا المبحث نتناول هذه الطريقة من الرقابة في ثلاث مطالب متتابعة وكما يلي: المطلب الأول: نشأة الرقابة السياسية المطلب الثاني: تطبيقات الرقابة السياسية المطلب الثالث: الرقابة بواسطة هيئة سياسية المطلب الأول: نشأة الرقابة السياسية ترجع نشأة الرقابة السياسية controle politique على دستورية القوانين , إلى عهد الثورة الفرنسية عندما أنشأ أول دستور في السنة الثامنة للجمهورية مجلسا" خاصا" للقيام بهذه المهمة , واستمرت فرنسا في تطبيق الرقابة السياسية حتى اليوم , وقد أخذت بعض الدول بهذه الصورة وخاصة" الدول الاشتراكية , وتعد الرقابة السياسية , رقابة وقائية controle preventif لأنها سابقة على صدور القوانين , وتعمل على توقي وقوعها في مخالفة الدستور ( ) وقد أخذت العديد من الدول عن فرنسا هذه الصورة من الرقابة , مع الاختلاف بين دستور وآخر فأخذ الاتحاد السوفيتي السابق بهذه الرقابة في دستور عام (1977) , وجعل الرقابة من اختصاص السلطة التشريعية , كما أخذ دستور ألمانيا الديمقراطية لعام (1949) , وبلغاريا في دستورها لعام (1947) , والصين في دستورها لعام (1954) , وقد أناط الدستور الفرنسي الحالي الصادر عام (1958 ), مهمة الرقابة إلى هيئة أسماها المجلس الدستوري( ) وقد دفع فرنسا إلى الأخذ بهذه الرقابة التفسير الذي ساد الفقه الفرنسي في فهم نظرية الفصل بين السلطات , وكذلك بوصف البرلمان هو المعبر عن سيادة الأمة وأن القانون هو التعبير عن هذه الإرادة فهذان الأمران حالا بين فرنسا وبين الأخذ بالرقابة القضائية على دستورية القوانين , وقد ظهرت فكرة الرقابة السياسية على دستورية القوانين أول الأمر خلال إعداد دستور السنة الثالثة للثورة الفرنسية , وكان بين أعضاء الجمعية التأسيسية المناط بها وضع ذلك الدستور الفقيه( سيز sieyes ) وقد اقترح هذا الفقيه إنشاء هيئة محلفين دستورية تكون مهمتها رقابة أعمال السلطة التشريعية , ولقي هذا الاقتراح معارضة شديدة ولم يكتب له أن يرى النور ( ) وعند إعداد مشروع دستور السنة الثامنة في عهد( نابليون) عاد الفقيه( sieyes) وطرح اقتراحه مرة أخرى واستطاع إقناع واضعو الدستور بسلامة مقترحه وبذلك انشأ مجلس أطلق عليه المجلس المحافظ le senat conservateur ووفقا لدستور السنة الثامنة تكون مهمته فحص مشروعات القوانين للتحقق من عدم مخالفتها للدستور, كما أخذت فرنسا بهذه الرقابة في دستور عام (1852) وعهد بمهمة الرقابة إلى مجلس الشيوخ , بيد أن كلا المجلسين , المجلس المحافظ , ومجلس الشيوخ , لم يوفقا في هذه المهمة بسبب سيطرة الإمبراطور عليها حيث كان المجلسان أداة بيده ( ) وهذه المسألة أثيرت أمام القضاء الفرنسي في أكثر من مناسبة ولكن ذلك القضاء سواء الإداري أم العادي انتهى دائما" إلى رفض رقابة دستورية القوانين , وقد حكمت محكمة النقض الفرنسية في (11 أبريل / نيسان 1833) , بأن القانون الذي تمت مناقشته وصدر بالطرق المرسومة لا يمكن أن يكون محل مهاجمة أمام المحاكم بدعوى عدم الدستورية , وقد استمرت محكمة النقض الفرنسية دائما" في هذا الاتجاه من ناحية , ومن ناحية أخرى فان القضاء الإداري في فرنسا وان أختص برقابة مشروعية القرارات الإدارية ومدى اتفاقها مع القانون فانه حكم بعدم قبول الدعاوى التي تستند إلى عدم دستورية القانون 0 فالقضاء الفرنسي عندما حجب نفسه عن مراقبة دستورية القوانين , لم يكن مقصرا" في أداء مهمته ولكنه وجد نفسه في مواجهة بعض النصوص التشريعية التي تحول بينه وبين هذه الرقابة , فضلا" عن بعض الحجج التاريخية والفلسفية , أما من حيث النصوص فقد وجد القضاء الفرنسي أمامه نص المادة (11) من قانون تنظيم القضاة الصادر عام (1790) والتي تمنع المحاكم من أن تشترك على نحو مباشر أو غير مباشر في ممارسة السلطة التشريعية أو أن تعرقل قرارات الهيئة التشريعية أو أن توقف نفاذها وكذلك المادة (127) من قانون العقوبات التي تؤثم القضاة الذين يتدخلون في ممارسة السلطة التشريعية سواء بإيجاد لوائح تتضمن أحكاما" تشريعية أو بمنع أو إيقاف قانون أو أكثر أو بالتداول فيما إذا كان يجب نشر القوانين أو نفاذها علاوة إلى هذين النصين ألواضحي الدلالة في الحيلولة بين القضاء الفرنسي والنظر في دستورية القوانين , فهناك الحجة التاريخية التي أوجدتهما تصرفات المحاكم الفرنسية القديمة , والتي كانت تسمى (البرلمانات) قبل الثورة , والتي كانت تعرقل تنفيذ القوانين , بل وتلغي بعض نصوصها مما ولد ميراثا" من الحذر والريبة لدى رجال الثورة الفرنسية ضد القضاة بوصفهم معوقين وراغبين في التغول على اختصاصات السلطات الأخرى ,وأدى هذا كله إلى تيار قوي رافض لإعطاء القضاة حق رقابة دستورية القوانين( ) وفي دستور الجمهورية الرابعة لعام (1946) , استحدثت الرقابة السياسية على دستورية القوانين , في المواد (91 و 93) , وقد تألفت اللجنة الدستورية من ثلاث عشر شخصا يكون رئيس الجمهورية على رأسهم وعضوان بحكم منصبهما , رئيس مجلس النواب , ورئيس مجلس الشيوخ , والعشرة أعضاء الباقون هم من يختارهم البرلمان من غير أعضائه , وعلى أساس التمثيل النسبي للأحزاب , وفي الجمهورية الخامسة تبنى الدستور الفرنسي الرقابة على دستورية القوانين أيضا ( ) لعل أهم تطبيقات الرقابة السياسية على دستورية القوانين هي تلك الواردة في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لعام (1958) وسنتناول مضمون هذه الرقابة وتحريكها وطبيعة القرارات الصادرة عنها في مطلب خاص ثم نتطرق إلى تطبيقات وطرق رقابية أخرى . المطلب الثاني : الرقابة السياسية في فرنسا أناط الدستور الفرنسي الحالي الصادر عام (1958 ), مهمة الرقابة إلى هيئة أسماها المجلس الدستوري (*), تتكون من نوعين من الأعضاء , تسعة أعضاء يتم تعينهم من قبل رئيس الجمهورية , ورئيس الجمعية الوطنية , ورئيس مجلس الشيوخ , كما يضم المجلس رؤساء الجمهورية السابقون للاستفادة من خبراتهم التي اكتسبوها من خلال سني خدمتهم , أما رئيس المجلس فيعن من بين أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية ( ) وأوضحت المادة (61) من الدستور أن اختصاصات المجلس تتركز في فحص دستورية القوانين والمعاهدات, والمنازعات المتعلقة بالانتخابات البرلمانية, وانتخاب رئيس الجمهورية والاستفتاءات الشعبية, ويجب أن تعرض القوانين الأساسية les lois organiques ولوائح مجلس البرلمان قبل تطبيقها على المجلس ليقرر مدى مطابقتها مع الدستور , ويجوز أن يعرض رئيس الجمهورية أو الوزير الأول , أو رئيس أي من المجلسين النيابيين القوانين العادية والمعاهدات الدولية على المجلس لفحص دستوريتها قبل إصدارها وطبقا" للتعديل الدستوري الصادر في (29/ 10/ 1974 ) فانه يجوز لستين نائبا" من أعضاء الجمعية الوطنية , أو لستين شيخا" من أعضاء مجلس الشيوخ , التقدم بطلب إلى المجلس لفحص دستورية قانون من القوانين ( ) ويعد التعديل الدستوري الذي تم في (29/ 10/ 1974) , والذي تناول إمكانيات مراجعة المجلس الدستوري انطلاقا" من المادة (61) من الدستور أحد أهم التعديلات التي حصلت خلال الجمهورية الخامسة في اتجاه تحصين دولة القانون , ولقد أكمل بالتعديل الذي تم في (25/6/ 1992) , الذي عدل المادة (54) ذات الصلة بمراجعة مدى انسجام المعاهدات مع الدستور 000 وأصبح بإمكان (60) نائبا" أو (60) سيناتورا" مراجعة المجلس , ومنذ عام (1986) , تضم الجمعية الوطنية (577) عضوا ومجلس الشيوخ (325) عضوا" , و تتم هذه المراجعة بواسطة رسالة تجمع (60) توقيعا ويمكن أن تحصل بواسطة (60) رسالة تحمل تواقيع منفصلة عن بعضها البعض , أما ما يتعلق بالمهل القانونية التي تحصل خلالها المراجعة فإنها تتغير بتغير الإجراءات , فالمهلة التي تحصل خلالها المراجعة على قاعدة المادة (61) هي مهلة إصدار القانون أي (15) يوما كحد أقصى , أما الرقابة التي تحصل على قاعدة المادة (54 ) في مادة المعاهدات الدولية , فقد حددها المجلس في القرار الصادر بتاريخ (2/9/1992) (( تبقى إمكانية المراجعة قائمة مادام لم يتم التصديق بعد على المعاهدة )) أما المراجعة التي تتم انطلاقا من المادتين (40 و 41 ), المتعلقتين بالأصول التشريعية فإنها مبدئيا غير محددة بمهل , أما على المستوى العملي فان مهلها هي فترة النقاشات البرلمانية ( ) أولا" :تحريك الرقابة يمارس المجلس الدستوري الرقابة على القانون قبل إصداره, وتحريك الرقابة يعود تارة لإحدى الجهات التي ذكرها الدستور, وهي رئيس الجمهورية, ورئيس الوزراء , ورئيس مجلس النواب , ورئيس مجلس الشيوخ , وستون عضوا" من مجلس النواب , أو ستون عضوا" من مجلس الشيوخ , ويكون ذلك بالنسبة للقوانين العادية والمعاهدات الدولية , المادتين (54 و 61) من الدستور 0 أما فيما يتعلق بالقوانين الأساسية, وهي القوانين المكملة للدستور(*) وكذلك الأنظمة لمجلسي البرلمان, فان المجلس الدستوري ينظر في دستورية مشروعاتها تلقائيا", أي أن مشاريع هذه القوانين يجب أن تمر على المجلس الدستوري قبل إصدارها وكذلك كجزء من متطلبات تشريعها ( ) والمجلس الدستوري يراقب مبدئيا النصوص القانونية اللاحقة لصدور دستور 1958, ويؤكد أنه لا يراقب النصوص السابقة لصدوره إلا إذا كانت هذه النصوص السابقة تم تعديلها بنصوص لاحقة , فلا يعد المجلس الدستوري الفرنسي أن القانون اللاحق الذي يرمي فقط إلى تطبيق قانون سابق قد يخوله مراقبته للقانون السابق , بمعنى أن مراقبة القانون السابق لا يمكن أن تتم إلا إذا كان القانون اللاحق قد طال النصوص السابقة لتعديلها وليس لتطبيقها ( ) ثانيا" :طبيعة قرارات المجلس الدستوري لا يمكن للمجلس الدستوري أن يتخذ قرارا" إلا باكتمال النصاب أي بحضور سبعة أعضاء وما يقتضيه ذلك غالبا" حضور سبعة أعضاء من تسعة أعضاء , وما يحصل في كل الحالات تقريبا" هو حضور الأعضاء التسعة المعينين , وحتى المرضى منهم يجتهدون في الانتقال إلى المجلس حينما يكون للقضية المفروض حسمها الكثير من الطابع السياسي , ويتم تبني القرار بأغلبية بسيطة , وفي حالة تساوي الأصوات يرجح صوت رئيس المجلس 0 ثالثا": مضمون القرار أن ما يحمله قرار المجلس الدستوري دائما عندما يتعلق الأمر بمراقبة الدستورية, وهو أما رد المراجعة لعدم دستوريتها , وأما القبول بهذه المراجعة وبإمكان المجلس أن يقرر في سياق تحليل قانوني موسع , وعلى امتداد الحيثيات بان مشروع القانون الذي أخضع لمراقبته هو غير دستوري , و يتم ذلك بواسطة قرار بالمعنى ألحصري , ولا ترد عبارة دستوري , وإنما يستخدم القرار عبارتين تحملان نفس المعنى مثل مشروع القانون أعلن منسجما" مع الدستور , أو أحكام مشروع القانون ذات الصلة مخالف للدستور ( ) فان قرر أن مشروع القانون لا يخالف الدستور فان عملية تشريعه تستمر ويصدق عليه من قبل رئيس الجمهورية , وأما أن يقرر أن مشروع القانون يخالف الدستور فهو أما أن يخالفه في كل أجزائه أو في بعض أجزائه , ففي الحالة الأولى يصرف النظر عن مشروع القانون بحيث لا يمكن إصداره , أما الحالة الثانية فالمجلس الدستوري , أما أن يقرر أن الأجزاء المخالفة لا يمكن فصلها عن المشروع , وفي هذه الحالة يأخذ المشروع حكم المشروع المخالف للدستور في جميع أجزائه , أي لا يمكن إصداره , وأما أن يقرر المجلس الدستوري أن أجزاء القانون المخالف للدستور قابلة للفصل فعند ذلك لرئيس الجمهورية الخيار بين أن يصدر القانون في أجزائه الموافقة فقط وبين أن يطلب من البرلمان مناقشة ثانية لمشروع القانون , ولا تعرض القوانين الصادرة عن طريق الاستفتاء العام طبقا" للمادة (11) من الدستور على المجلس الدستوري , على اعتبار أن هذه القوانين تمثل التعبير المباشر للسيادة الوطنية , ولا يمكن لأي هيئة أن تراقب هذه السيادة ( ) كما أن المجلس الدستوري قد أيد ذلك بطريقة غير مباشرة عندما قضى في 6 نوفمبر سنة (1962) , بأن القوانين الأساسية التي يجب إرسالها إليه , هي التي يتم إقرارها عن طريق البرلمان , وهذا يعني وجود نوع آخر من القوانين الأساسية التي لا تعرض على المجلس الدستوري , وهي التي تصدر نتيجة الاستفتاء الذي يتم وفقا للمادة (11) من الدستور ( ) رابعا": نشر القرار يتم نشر القرار في الجريدة الرسمية وبشكل عام في اليوم التالي لتبنيه إذا أعلن انسجامه مع الدستور , أو القانون الذي اجتزأت منه الأحكام غير الدستورية , وهناك سجل سنوي لقرارات المجلس , وهذا السجل ينشر بإشراف القيادات العليا للمجلس نفسه باستثناء ذلك يتم وبشكل أكيد تبليغ القرار إلى من قاموا بالمراجعة وإلى رؤساء المجالس النيابية ( ) خامسا": حجية الأحكام الدستورية تنص المادتان (61 و 62) من الدستور الفرنسي وان كانت تتعلق بالقوانين العضوية قبل إصدارها وباللوائح البرلمانية قبل تطبيقها للفصل في اتفاقها أو تعارضها مع الدستور إلا أن النصوص التي تتضمنها هذه القوانين أو اللوائح لا يجوز إصدارها أو تطبيقها إذا قرر المجلس الدستوري بعد عرضها عليه مخالفتها للدستور , بل أن قراره بشأنها ملزما" لكل جهة إدارية , وللسلطة القضائية ذاتها , ولكل سلطة غيرها , فلا يجوز أن ينقض أو يعاد النظر فيه ( ) المطلب الثالث: الرقابة السياسية نصت بعض الدساتير ومنها دساتير الدول الاشتراكية على الرقابة على دستورية القوانين , بواسطة هيئة سياسية , فمنها ما جعل هذه المهمة من اختصاص المجلس التشريعي نفسه ومنها ما أنشأ هيئة خاصة تتولى مهمة الرقابة . وتفريعا" على ذلك سنبحث في إسناد مهمة الرقابة إلى الهيئة التشريعية ( البرلمان) و تكوين هيئة خاصة للرقابة على دستورية القوانين وأخيرا في مزايا وعيوب الرقابة السياسية . الفرع الأول: إسناد مهمة الرقابة إلى الهيئة التشريعية (البرلمان) يعرف الفقه الدستوري السلطة التشريعية بأنها (( تلك الجهة التي تملك الحق في إصدار القواعد العامة الملزمة التي تحكم تصرفات الجماعة في نطاق الدولة ))( ) وفي الدولة الحديثة ، تعود سلطة التشريع للشعب ، يمارسها مباشرة في حالة الديمقراطية المباشرة ، أو عن طريق نواب عنه في حالة الديمقراطية غير المباشرة ، أو بالطريقتين معاً في حالة الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة. وتعود أهمية السلطة التشريعية لما تضطلع به من قيامها نيابة عن الشعب بتمثيله في وضع القوانين وسنها ومراقبة تنفيذها ، فضلاً عن المهام الأخرى كالوظيفة الرقابية والمالية والاقتصادية . وفي ذلك عمل دستور الاتحاد السوفيتي السابق الصادر عام (1936), على إسناد مهمة الرقابة على دستورية القوانين إلى الهيئة التشريعية إذ جعل مجلس السوفيت الأعلى المختص بالرقابة على تنفيذ الدستور الاتحادي , واتخاذ الإجراءات التي تضمن توافق دساتير الجمهورية مع أحكامه , وأسند الدستور اليوغسلافي الصادر عام (1946) , إلى المكتب الإداري للمجلس الشعبي مهمة التحقيق من عدم مخالفة قوانين الدويلات للقوانين الاتحادية أو لأحكام الدستور الاتحادي , كما نص الدستور الصيني الصادر عام (1954) , على اختصاص الجمعية الصينية لممثلي الشعب بالرقابة على تطبيق الدستور , وأخذ الدستور البلغاري الصادر عام (1948) , بنفس الطريقة إذ جعل الهيئة التشريعية هي المختصة بالتأكد من مراعاة الشروط الدستورية عند إصدار القوانين من عدم مخالفة هذه القوانين للدستور , ومن الدساتير من منح رئيس المجلس النيابي الحق في منح التصويت على مشروع قانون غير دستوري , كما في دستور السويد الصادر عام (1906) ( ) الفرع الثاني : تكوين هيئة خاصة للرقابة على دستورية القوانين تلجأ معظم دساتير الدول التي تختار طريق الرقابة السياسية إسنادها إلى هيئة خاصة مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين على وجه الخصوص قبل صدورها في الغالب الأعم لتكون رقابة وقائية تستهدف منع صدور القانون إذا كان مخالفا" للدستور , وقد يتم تشكيل هذه الهيئة أما بطريقة التعيين من جانب البرلمان أو السلطة التنفيذية , أو منهما معا" , أو بطريق الانتخاب من القاعدة الشعبية أو من خلال أعضاء اللجنة ذاتها بعد تشكيلها لأول مرة , ويستمد هذا الاتجاه أساسه من مبدأ الفصل بين السلطات بتنفيذه على نحو يمنع تدخل السلطة القضائية في أعمال السلطة التشريعية , ولتفادي احتمال سيطرة أو هيمنة القضاء على البرلمان بما يهدد استقلاله ( )ومن الدساتير العربية التي تبنت هذه الطريقة من الرقابة الدستور اللبناني الذي أوكل الرقابة إلى المجلس الدستوري , وقد أنشئ المجلس الدستوري اللبناني وفق القانون رقم (250 الصادر بتاريخ 14/ 7/) (1993) المعدل بالقانون رقم ( 150الصادر بتاريخ 30/10/ 1999 ), وقد جاء في نص المادة الأولى المعدلة من قانون المجلس الدستوري اللبناني (( تنفيذا" لأحكام المادة 19 من الدستور ينشأ مجلس يسمى المجلس الدستوري مهمته مراقبة دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية . المجلس الدستوري هيئة دستورية مستقلة ذات صفة قضائية )) ( ) وجاء في (م 2) المعدلة (( يتألف المجلس الدستوري اللبناني من عشرة أعضاء يعين مجلس النواب نصف هؤلاء الأعضاء بالأكثرية من الأعضاء الذي يتألف منه قانونا" ... ويعين مجلس الوزراء النصف الآخر بأكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة )) ( ) أما طريقة اختيار أعضاء المجلس الدستوري , فانه(( يتم من بين القضاة السابقين الذين مارسوا القضاء العدلي , أو الإداري , أو المالي , مدة عشرين سنة على الأقل أو من الأساتذة الأصليين السابقين أو الحاليين في التعليم العالي الذين مارسوا تدريس مواد القانون عشرين سنة , أو من بين المحامين الذين مارسوا مهنة المحاماة عشرين سنة على الأقل ))( ) أما عن مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري فهي(( ...ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا يجوز اختصار مدة ولاية أي منهم , ويبدأ احتساب هذه المدة من تاريخ قسم اليمين من قبل جميع الأعضاء))( ) ((ويتولى المجلس الرقابة على دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون خلافا لأي نص مغاير , ولا يجوز لأي مرجع قضائي أن يقوم بهذه الرقابة مباشرة عن طريق الطعن , أو بصورة غير مباشرة عن طريق القواعد والنصوص))( ) وفيما يعود إلى تحديد أصحاب الحق بمراجعة المجلس الدستوري في شكل حصري لكل من (( رئيس الجمهورية , ورئيس مجلس النواب , ورئيس مجلس الوزراء , ولعشرة أعضاء من مجلس النواب على الأقل مراجعة المجلس الدستوري فيما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين ولرؤساء الطوائف المعترف بها قانونا حق المراجعة فيما يتعلق حصريا" بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد , وممارسة الشعائر الدينية , وحرية التعليم الديني , وتقديم المراجعة من قبل المرجع المختص إلى رئاسة المجلس الدستوري خلال مهلة خمسة عشر يوما" تلي نشر القانون في الجريدة الرسمية أو إحدى وسائل النشر الأخرى المعتمدة قانونا" تحت طائلة رد المراجعة شكلا))( ) ويتولى المجلس الدستوري الفصل في صحة انتخابات رئاسة الجمهورية ,ورئاسة مجلس النواب , والبت في الطعون والنزاعات الناشئة عنها وذلك بطلب من ثلث الأعضاء الذي يتألف منهم مجلس النواب قانونا" على الأقل , ويجب أن يكون استدعاء الطعن موقعا" منهم شخصيا" , وأن يقدم إلى رئاسة المجلس الدستوري في خلال مهلة أربع وعشرين ساعة , تلي إعلان النتائج تحت طائلة رده شكلا" ويتخذ القرار في غرفة المذاكرة في كلتي الحالتين بأكثرية سبعة أعضاء على الأقل. ويصدر القرار بمهلة أقصاها ثلاثة أيام من تاريخ ورود المراجعة ويبقى مجلس النواب منعقد كهيئة انتخابية لحين صدور قرار المجلس الدستوري( )ويعلن المجلس الدستوري قراره إن كان القانون مطابق أو مخالف كليا" أو جزئيا" للدستور , وإذا قرر المجلس الدستوري أن النص موضوع المراجعة مشوب كليا" أو جزئيا" بعيب عدم الدستورية فانه يقضي بإبطاله كليا" أو جزئيا" بقرار معلل يرسم حدود البطلان , والنص الذي تقرر بطلانه يعتبر في حدود قرار المجلس كأنه لم يصدر ولا يجوز لأي كان التذرع به. (3) ونرى إن المجلس الدستوري اللبناني أراد أن يسير على خطى المجلس الدستوري الفرنسي , لكن الاختلاف بين المجلسين أن المجلس الدستوري الفرنسي ينظر في صحة مشاريع القوانين قبل صدورها من الهيئة التشريعية , إلا أن المجلس الدستوري اللبناني لم يرد أي نص في ذلك وهذا يعني إن رقابته لاحقة تتم بعد نشر القرار في الجريدة الرسمية , حسب ما نفهمه من نص( المادة 19)من قانون المجلس الدستوري , علاوة على ذلك له صفة قضائية أكثر منها سياسية وفقا للمادة الأولى المعدلة من القانون التي تصف المجلس الدستوري بأنه هيئة دستورية مستقلة ذات صفة قضائية , ومما يعاب عليه انه لم يسمح للمواطنين بالطعن بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعدم دستورية قانون ما شأنه في ذلك شأن المجلس الدستوري الفرنسي . ومن الدساتير الأخرى التي أخذت بهذه الرقابة الدستور الإيراني الصادر عام (1979) , حيث اسند مهمة الرقابة إلى مجلس اسماه ( مجلس صيانة الدستور) وفي مايلي نتناول مجلس صيانة الدستور الإيراني نموذجا لهذا النوع من الرقابة: أولا": مجلس صيانة الدستور الإيراني مجلس صيانة الدستور ، يمكن اعتباره المجلس الأعلى بالمقارنة مع مجلس الشورى الإسلامي في إيران .( ) ، كما تم استحداث مجلس إعادة النظر في الدستور ، بموجب التعديل الذي جرى على الدستورالايراني في عام (1989) ، ولم يكن موجودا" ابتداءً . وهذا ما سيتم تناوله تباعاً فيما يأتي : وتعده بعض الدراسات (( الامتداد لمجلس الحكماء الذي تأسس بمناسبة الثورة الدستورية في عام (1906) ، من بعض رجال الدين للتثبت من عدم تعارض قوانين النظام مع أحكام الشريعة الإسلامية ، ثم هُمّش بعد الثورة البيضاء ))( ) وما يؤكد هذا الرأي ، الهدف المماثل الذي نص عليه الدستور الإيراني بقوله : ((يتم تشكيل مجلس باسم : مجلس صيانة الدستور ، بهدف ضمان مطابقة ما يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي مع الأحكام الإسلامية والدستور...))( ) إن تقرير الدستور الإيراني لنظام المجلسين يهدف بشكل أساس إلى تحقيق هدفين قد يظهران متعارضين ، فهو يهدف ، من جهة ، إلى إشراك الشعب في ممارسة سلطة التشريع بغض النظر عن أية شروط مالية أو علمية أو قائمة على أساس الجنس أو العرق أو الدين ، وهذا ما يتطلب وجود مجلس شعبي منتخب انتخاباً حراً يقوم على أساس المواطنة لا سواها. كما يهدف ، من جهة أخرى ، إلى ضمان مطابقة ما يصدر من تشريعات مع الأحكام الإسلامية وعدم مخالفتها انطلاقا" من مبدأ الحاكمية التشريعية لله الذي يقوم عليه دستور هذه الدولة الإسلامية.( ) ويحقق الهدفَ الأول وجود (مجلس الشورى الإسلامي ) ، كما يضمن تحقق الهدف الثاني إنشاء ( مجلس صيانة الدستور ) مع النص على اشتراك المجلسين في سلطة التشريع باشتراط موافقتهما معاً على مشروع القانون لكي يتسنى نفاذه ، فمجلس صيانة الدستور هو الجهة التي تضفي الدستورية على ما يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي ، بل وعلى وجود هذا الأخير نفسه ، إذ (( لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي دون وجود مجلس صيانة الدستور ...)) ( ) وهذا ما يبرر ازدواجية التركيبة ( الفقهية / القانونية ) للمجلس ، حيث يمارس رقابة (إسلامية / دستورية ) على القوانين التي يصدرها مجلس الشورى الإسلامي ، أي ضمان مطابقة هذه القوانين مع الأحكام الإسلامية من جهة ، وهذه وظيفة الأعضاء الفقهاء ، وكذلك مطابقتها مع أحكام الدستور من جهة أخرى ، وهذه وظيفة الأعضاء القانونيين ، وسيتم تناول ذلك لاحقا" . إن استيفاء البحث فيما يتعلق بتكوين مجلس صيانة الدستور يتطلب التطرق إلى طريقة اختيار أعضائه ، وعددهم ، وشروط العضوية ، ومدتها ، وطريقة تجديدها . ثانيا": طريقة اختيار الأعضاء : لا يشترط في مجلس صيانة الدستور ، بوصفه يقوم مقام ( المجلس الأعلى ) في نظام المجلسين ، أن يجيء جميع أعضائه عن طريق الانتخاب. إلا أن القول بتوافق طريقة اختيار أعضاء هذا المجلس مع الأساليب الديمقراطية يقتضي كون أغلبية أعضائه منتخبين لكي تتحقق للمجلس الصفة النيابية.(1) وبهذا الصدد نص الدستور الإيراني على اختيار نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور من قبل (القائد ) ( أي قائد الثورة الإيرانية الذي يسمى حاليا" بمرشد الثورة ) ، أما النصف الأخر فيتم ترشيحهم من قبل رئيس السلطة القضائية ويصادق على ترشيحهم مجلس الشورى الإسلامي ويلاحظ هنا الدور الذي يمارسه مجلس الشورى الإسلامي والمتمثل في المصادقة ( أو الموافقة ) على المرشحين القانونيين الذين يتقدم بترشيحهم رئيس السلطة القضائية. وبهذا يمكن القول إن مجلس صيانة الدستور هو مجلس نصف نيابي ، فإذا كان النصف الذين يصادق على ترشيحهم مجلس الشورى الإسلامي يمكن اعتبارهم مختارين على أساس انتخابي لأن أعضاء مجلس الشورى يمثلون الشعب ، ولا يمكن قول ذلك عن النصف الأخر الذي يختاره ( القائد ) ، فالواقع إن الطرف المعين يعد ممثلاً لإرادة السلطة التي عينته ولا يعد ممثلاً للشعب. ثالثا": عدد الأعضاء : بخلاف مجلس الشورى الإسلامي ( المجلس الشعبي ) ، يتكون مجلس صيانة الدستور من عدد قليل من الأعضاء ، وهو أمر يتماشى مع وظيفة هذا المجلس الذي لا يعد ممثلاً لإرادة الأمة بقدر كونه مجلساً متخصصاً في الرقابة على (دستورية / إسلامية ) القوانين الصادرة عن مجلس الشورى الإسلامي ، لذلك نص الدستور الإيراني على أن يتكون مجلس صيانة الدستور من اثني عشر عضوا(م91) وهو عدد قليل جداً بالقياس إلى عدد أعضاء مجلس الشورى الإسلامي الذي يبلغ مائتين وسبعين نائباً قابل للزيادة. ويورد فقهاء القانون الدستوري فائدة للتفوق العددي في حالة كون الدستور يجعل البت في بعض الأمور للمجلسين مجتمعين معاً في هيئة مؤتمر ، إذ يتغلب في هذه الحالة رأي المجلس الأكثر عدداً.( 2) رابعا": شروط العضوية : تعد شروط العضوية في مجلس صيانة الدستور من خصوصيات النظام الدستوري الإيراني ، فنظراً لطبيعة الوظيفة الفقهية / القانونية ، لأعضاء المجلس اشترط الدستور فيهم أن يكونوا منتمين لطائفتين ، الأولى هي الفقهاء ، والثانية هي القانونيين. حيث ينص الدستور على أن يتكون مجلس صيانة الدستور على النحو التالي : (( 1- ستة أعضاء من الفقهاء العدول(*) العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة ويختارهم القائد. 2- ستة أعضاء من المسلمين من ذوي الاختصاص في مختلف فروع القانون.. )) (م91) إن اشتراط هذه الكفايات الخاصة في أعضاء مجلس صيانة الدستور يعمل على ضمان عدم مخالفة التشريعات الصادرة لنصوص الدستور وللأحكام الإسلامية ، كما يعمل على رفع كفاية العملية التشريعية وذلك بتعويض النقص في الكفايات وسوء الاختيار الناتجين عن الأخذ بمبدأ الاقتراع العام، دون اشتراط أية شروط خاصة في أعضاء مجلس الشورى الإسلامي . خامسا": مدة العضوية وتجديدها : لا يحول طول مدة الفصل التشريعي ( للمجلس الأعلى ) في نظام المجلسين دون تحقيق الأغراض المقصودة منه ، لأنه يهدف إلى توفير الكفايات ، وتحقيق التوازن وتخفيف حدة النزاع بين السلطات.(1) وذلك بخلاف ( المجلس الأدنى ) الذي يعد طول فصله التشريعي مما يفقد طابعه التمثيلي كما مر ، لذلك تتجه الدساتير التي تأخذ بنظام المجلسين إلى جعل العضوية في المجالس العليا أطول من مدة العضوية في المجالس الدنيا ، وقد أخذ الدستور الإيراني بهذه القاعدة ، فنص على أن (( دورة مجلس صيانة الدستور ست سنوات ...)) أما عن تجديد مدة العضوية في مجلس صيانة الدستور فقد اتبع فيه أسلوب التجديد النصفي ، وذلك بأن (( يتم تغيير نصف أعضاء كلا الفريقين – بطريقة القرعة - بعد ثلاث سنوات من تشكيله ، ويجري اختيار أعضاء جدد مكانهم )) (2) حيث يقوم ( المرشد ) باختيار ثلاثة يحلون محل الفقهاء الخارجين ، ويصادق مجلس الشورى الإسلامي على ثلاثة خبراء قانون يرشحهم رئيس السلطة القضائية ليحلوا مكان السابقين ، وبعد انتهاء مدة المجلس ( ست سنوات ) ينتخب مجلس الشورى ستة خبراء جدد ، في حين يحق للمرشد أن يعيد اختيار نفس الفقهاء السابقين لعضوية المجلس.( ) يلاحظ على تكوين مجلس صيانة الدستور ضعف الصفة النيابية فيه ، حيث يتم انتخاب نصف أعضائه ، وتعيين النصف الآخر ، ويمكن لنا القول ليس بالضرورة أن تكون كل المجالس المعينة سيئة , وليس جميع الأنظمة ذات المجلسين يكون نصف أعضائها بالتعيين والنصف الآخر بالانتخاب مثال ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية جميع أعضاء مجلس الشيوخ منتخب , وفي فرنسا أعضاء مجلس الشيوخ بالتعيين والاختيار , وفي بريطانيا, تعيين, ووراثة ,وانتخاب , وفي مصر نصف انتخاب ونصف تعيين , ولمعادلة هذه النقطة جعل الدستور الإيراني من مجلس الشورى الإسلامي ( المنتخب بالكامل ) صاحب الحصة الأكبر من سلطة التشريع . وجعل لمجلس صيانة الدستور دوراً تكميلياً في هذا الصدد . لكنه توفيقي في نفس الوقت. كما حمل أعضاء مجلس صيانة الدستور صفات مرتبطة بوظائف المجلس من حيث كونه الرقيب على دستورية وإسلامية القوانين الصادرة عن مجلس الشورى الإسلامي. لذلك اشترط في أعضاء مجلس صيانة الدستور أن يكونوا ضمن إحدى طائفتين : الفقهاء ، والقانونيين . وبهذا يتحقق في مجلس صيانة الدستور الإيراني جميع صفات ( المجلس الأعلى ) في نظام المجلسين ويشكل مع مجلس الشورى الإسلامي ثنائي التشريع في إيران من حيث تلازمهما معاً لأداء سلطة التشريع وفقاً لما يقرره الدستور الإيراني .(2) الفرع الثالث : مزايا وعيوب الرقابة السياسية لاشك إن الرقابة السياسية على دستورية القوانين تمارس وظيفة مهمة في إعلاء كلمة الدستور وتنفيذ أحكامه ولكن الآليات القانونية التي يقصد بها الدفاع عن مبدأ سمو الدستور وما تؤدي إليه من رقابة لدستورية القوانين ليست صورة واحدة في كل البلاد فقد تنشئ آليات قانونية خاصة تتماشى مع فلسفتها وظروفها فمن الدول من اتبع أسلوب الرقابة السياسية متجاوزا" عن عيوبها ومنها من سلك سبيلا آخر في الرقابة غير إن الطرفين اتفقا على ضرورة وجود رقابة علي دستورية القوانين وفي هذا الجزء من الدراسة نبحث في مزايا وعيوب الرقابة السياسية على دستورية القوانين. أولا" : مزايا الرقابة السياسية: يشير الفقه الدستوري إلى أن للرقابة السياسية على دستورية القوانين المزايا التالية: 1- تتفق الرقابة السياسية مع طبيعة عمل السلطة التشريعية والذي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع الاعتبارات القانونية , لان الرقابة على الدستورية هي مسألة قانونية في موضوعها , وسياسية في آثارها فانه من الاوفق أن تباشره هيئة سياسية يقوم بتشكيلها البرلمان وتتكون من أعضائه أساسا تلافيا لعوامل الحساسية والتحدي ومحاولة السيطرة المتبادلة بينهما . 2- لا تقتصر الرقابة السياسية على الجوانب القانونية فحسب وإنما تمتد لتشمل الجوانب السياسية المحيطة بالعمل محل الرقابة , وتقدير مدى الآثار المترتبة على الرقابة سواء من حيث دستورية هذا العمل أو من حيث ملائمته . 3- الرقابة السياسية رقابة وقائية غالبا فهي تحول أصلا دون صدور العمل غير الدستوري وتمنع بعد صدوره الجدل حول دستوريته وتتفادى خطر تضارب الأحكام القضائية الذي يحدث في حالة الأخذ برقابة الامتناع مما يضاعف من فعالية هذه الرقابة لان الوقاية خير من العلاج ( ) ثانيا : عيوب الرقابة السياسية: الغالبية العظمى من الفقه تفضل الرقابة القضائية , لما للرقابة السياسية من عيوب واضحة أهمها : 1- الهيئة السياسية تخضع بطبيعتها للأهواء والنزوات السياسية والحزبية التي تسيطر على عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية , وهو الأمر الذي يؤدي في الأصل إلى الخروج على الدستور , ومن ثم فان الطريق السياسي للرقابة لن يعني سوى إحلال هذه الهيئة بنزعاتها محل أهواء ونزعات الهيئات السياسية الأخرى فتغدو الرقابة غير منتجة أو مؤثرة بما يشكل خطرا" سياسيا" على الدستور ومبادئه 2- قد لا تتوفر لدى القائمين على الرقابة السياسية القدرة الفنية والخبرة القانونية الكافية لمباشرة الرقابة الدستورية , علاوة على عدم تمتعهم بضمانات الحيدة والاستقلال التي تتوفر للقضاء , مما يضعف هذه الرقابة لمدى بعيد خاصة مع تأثر أغلبية هؤلاء الأعضاء باتجاهات السلطة التي تقوم بتعينهم وخضوعهم لتعليماتها , وحتى إذا تم انتخابهم بواسطة الشعب فانه سيسيطر على عملها نفس الاتجاهات السياسية التي تسيطر على البرلمان , علاوة على إحساسهم بالعلو عليه مما يؤدي إلى تفاقم الصراع بين السلطات وبث الاضطراب السياسي في الدولة( ) 3- إذا كان تحريك الرقابة يعود للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية فان ذلك يؤدي إلى إقامة الطعن في دستورية القانون على اعتبارات سياسية أكثر من إقامتها على اعتبارات قانونية وموضوعية , وإذا كانت الرقابة تمارس بشكل تلقائي من قبل هيئة الرقابة وذلك كجزء من متطلبات العملية التشريعية , فان ذلك يخلق من هيئة الرقابة مشرعا" آخر لان القانون لا يمكن يشرع ويصدر دون موافقتها , أي أن مصير القانون في هذه الحالة سيتوقف على إرادة هيئة الرقابة( ) ويقول الدكتور منذر الشاوي , من هنا كان خطر الرقابة السياسية أكبر من خطر الرقابة القضائية لان تدخّل القضاة في العمل التشريعي هو تدخّل استثنائي , فالقاضي لا ينظر في دستورية قانون ما إلا إذا أثيرت هذه الدستورية من قبل الغير , بينما تدخّل هيئة الرقابة السياسية في العمل التشريعي , هو تدخّل منهجي , بمعنى أن الرقابة تمارس على جميع مشاريع القوانين , فميكانيكية الرقابة السياسية على دستورية مشاريع القوانين ... لا تضمن علوية الدستور , وهذا هو المعنى الذي تتضمنه هذه الصورة من الرقابة , فتارة تعطى الأولوية للقابضين على السلطة احتكار تحريك الرقابة , وتارة تعطى الأولوية أو يجب أن تعطى بحكم المنطق إلى هيئة الرقابة ( حالة الرقابة الأوتوماتيكية) وفي الحالتين يكون مصير الدستور متوقف على إرادة الحكام , أو على إرادة هيئة الرقابة ( ) المبحث الثاني : الرقابة القضائية على دستورية القوانين تبنت معظم دساتير الدول في وقتنا الحاضر الرقابة القضائية على دستورية القوانين , ومن خلال هذا المبحث نتطرق للرقابة القضائية ونتعرف على نموذجين من الدول التي تبنت الرقابة القضائية في مطلبين نتطرق في المطلب الأول إلى الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية وفي المطلب الثاني الرقابة القضائية على دستورية القوانين في مصر على اعتبار إن الأولى اتبعت أسلوب رقابة القضاء العادي على دستورية القوانين في حين عهدت مصر بهذه الرقابة إلى محكمة دستوريه متخصصة. المطلب الأول : الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية التجربة الأمريكية في الرقابة على دستورية القوانين , من أقدم التجارب وأكثرها ثراء وأبعدها تأثيرا" , وقد ظلت هذه التجربة طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين التجربة الوحيدة في الرقابة على دستورية القوانين , إلى أن بدأت في أوربا عقب الحرب العالمية الأولى . وبعد ذلك بدأت في الانتشار الواسع في النصف الثاني من القرن العشرين , ويكاد الفقهاء يجمعون على أن الدستور الأمريكي لم ينظم الرقابة على دستورية القوانين ولم يتحدث عن مثل تلك الرقابة صراحة في نص من نصوصه , ولكن في المقابل لا يوجد في نصوص الدستور الأمريكي ما يفهم منه صراحة أو ضمنا" الحيلولة بين القضاء ومثل هذه الرقابة بل إن في الدستور ما يشجع على الأخذ بها ومن ذلك أن ( م 6 / 2) من الدستور الأمريكي التي تنص (( هذا الدستور وقوانين الولايات المتحدة ستكون هي القانون الأساسي للبلاد والقضاة في كل البلاد سيتقيدون بذلك بصرف النظر عن أي حكم مخالف في دستور الولاية أو قوانينها )) ( ) فضلا عن نص ( م 3 /2) من الدستور التي تتحدث عن الاختصاص القضائي التي جاء فيها (( أن الوظيفة القضائية تمتد إلى كل القضايا المتعلقة بالقانون أو العدالة التي تثور في ظل هذا الدستور )) ( ) هذان النصان من نصوص الدستور الأمريكي وان كانا لا ينظمان وسيلة معينة لمراقبة دستورية القوانين إلا إنهما بغير شك يفتحان الباب عن طريق التفسير أمام المحاكم للنظر في مدى اتفاق القوانين الصادرة مع الدستور ( ) ويعد النظام القضائي الأمريكي أكثر النظم القضائية قوة في العالم , وتنهض أسس هذه القوة على حقيقة أن المحاكم الأمريكية تفسر القانون وأن للمحكمة الحكم النهائي في تفسير الدستور , وقد مارست المحكمة منذ عام (1803) سلطة المراجعة القضائية أي سلطة إعلان عدم دستورية أحد القوانين ( ) والمقصود بأحد القوانين هو قانون القضاة الاتحادي لعام (1789) الذي قضى بعدم دستوريته القاضي (جون مارشال) في القضية المشهورة ( ماربوري ضد ماديسون ) والذي أصبح قرار الحكم بعدم دستورية القانون سابقة قضائية أخذت المحكمة العليا على عاتقها الرقابة على دستورية القوانين , وتتلخص قضية عدم دستورية قانون (القضاة الاتحادي) أنه عندما خسر الحزب الاتحادي , الديمقراطي حاليا , الانتخابات عام (1800) وفاز بها الحزب الجمهوري الذي كان يدعو إلى تقوية سلطات الولايات على حساب السلطة الاتحادية , قلق الاتحاديون على مصير الاتحاد فسارعوا في عام (1801) قبل تخليهم عن مناصبهم إلى تعيين قضاة يؤمنون بالفكرة الاتحادية وفي مقدمتهم القاضي ( مارشال) رئيس المحكمة الاتحادية العليا , وعندما تسلم الرئيس (جيفرسون) مهام منصبه أمر وزير الداخلية (ماديسون) بصرف النظر عن تعيين بعض القضاة الذين لم تصدر أوامر تعينهم بعد , ومن بينهم القاضي (ماربوري ) فأسرع الأخير إلى المحكمة الاتحادية العليا طالبا تطبيق الباب الثالث عشر من قانون القضاة الاتحادي لعام (1789) الذي كلف فيه الكونغرس المحكمة الاتحادية العليا بإصدار أوامر إلى الأشخاص العاملين في الخدمة المدنية الأمريكية وطلب (ماربوري) إصدار مثل ذلك الأمر إلى وزير الداخلية , إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رفضت طلبه لأنه يخالف الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات , وأعلنت المحكمة استنادا" إلى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الباب الثاني من الدستور أن الباب الثالث عشر من قانون القضاة الاتحادي غير دستوري ( ) وتفريعا على ذلك سنبحث, السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية , و طبيعة قرارات المحكمة الاتحادية العليا, و أهم الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الاتحادية العليا. الفرع الأول : السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية انيطت السلطة القضائية في الولايات المتحدة بمحكمة عليا واحدة ومحاكم أدنى درجة يرتأي الكونغرس إنشاءها ويقضي بذلك من حين لآخر وعملا" بهذا التوجيه قسم الكونغرس الأول البلاد إلى مناطق , وأنشأ محاكم فدرالية لكل منطقة ومن ذلك المنطلق تطورت الهيكلية الحالية للمحاكم الفدرالية لتصبح مؤلفة من المحكمة العليا و(11) محكمة استئناف و( 91) محكمة بداية وثلاث محاكم ذات سلطات خاصة ولا يزال الكونغرس يتمتع اليوم بسلطة إنشاء المحاكم الفدرالية أو إلغائها وتحديد عدد القضاة في الجهاز القضائي الفدرالي , ولكنه لا يملك صلاحية إلغاء المحكمة العليا( ) والسلطة القضائية تقيم أعمالها على أساس السلطة الممنوحة لها بموجب الدستور , وتكون السلطة القضائية المفسر النهائي لمواد الدستور , وللتقييد على سلطة الحكومة , وإذا حاول الفرعان السياسيان الرئيس والكونغرس التجاوز على الدستور ,عندئذ تتدخل السلطة القضائية وتقضي بعد دستورية القوانين المتعارضة مع نصوص الدستور , كما قال احد واضعي الدستور فان السلطة القضائية نفسها لن يكون لها لا سلطة المال ولا سلطة السيف , لا تستطيع تنظيم أي جيش أو قوة شرطة لتطبيق قراراتها كما لن تستطيع منع الموازنات المالية عن الفرعين الآخرين , أن كل ما تستطيع القيام به هو أن تبقى مستقلة سياسيا" وحامية لحقوق الشعب إلى درجة تجعل السياسيين والمواطنين على حد سواء يتقيدون بقراراتها إذا كان للسلطة القضائية أن تتكلم دون خوف أو تحيز , وإذا كان لها أن تكون مستقلة فعلا فيجب أن توجد خارج نطاق سيطرة الفرعين الآخرين للحكم , ولذلك نص الدستور الأمريكي على إنشاء محكمة عليا( ) والمحكمة العليا هي المحكمة الأعلى درجة في الولايات المتحدة , وهي الوحيدة التي أنشأها الدستور بالتحديد , ولا يمكن مراجعة أي قرار صادر عن المحكمة العليا أمام أية محكمة أخرى , ويحمي الدستور استقلالية القضاء في نصه على أن القضاة الفدراليين يبقون في مناصبهم ماداموا حسني السلوك , وهذا يعني عمليا حتى الوفاة , أو التقاعد , أو الاستقالة , مع أن القاضي الذي يرتكب عملا" مخالفا" للقانون وهو في منصبه يمكن أن يوجه له اتهام برلماني ويحاكم في الكونغرس على غرار ما يحصل بالنسبة إلى الرئيس وسائر المسئولين في الحكومة الفدرالية , والقضاة الفدراليون يعينهم الرئيس ويخضع لموافقة مجلس الشيوخ , كما أن الكونغرس يحدد رواتب هؤلاء القضاة , ولا يذكر الدستور شيئا" عن مؤهلات قضاة المحكمة العليا , وليس هناك ما يستلزم أن يكون القضاة من المحامين مع أن جميع القضاة الفدراليين وقضاة المحكمة كانوا على الدوام من المحامين , ومنذ إنشاء المحكمة العليا لم يدخل في عضويتها سوى مائة قاض , وكانت هذه المحكمة تتألف من رئيس وخمسة أعضاء وفي السنوات الثمانين التي أعقبت إنشائها بقي عدد أعضاء المحكمة يتبدل إلى أن تحدد عضويتها سنة (1869) برئيس وثمانية أعضاء ورئيس المحكمة هو المسئول التنفيذي الأعلى فيها ( ) وتتسم السلطة القضائية في أمريكا بنظام ثنائي , محاكم الولايات , وسلطة قضائية فدرالية , إن محاكم الولايات تتعامل مع الغالبية العظمى من القضايا في البلاد بما في ذلك المتعلقة بالأحوال الشخصية , والقضايا بين المواطنين ومخالفات المرور , وتهتم المحاكم الفدرالية فقط بالمخالفات المتعلقة بالقانون الفدرالي أو الدستور , كما أنها تتناول أيضا القضايا بين المواطنين من ولايات مختلفة ويتكون نظام المحاكم الفدرالي من ثلاث مستويات أساسية هي ( محاكم مناطق , ومحاكم الاستئناف , والمحكمة الاتحادية العليا ) وهذه المحاكم الدستورية التي تمارس السلطة القضائية كما نصت عليها المادة الثالثة من الدستور الأمريكي , أما عن اختصاص المحاكم الذي يقصد به سلطة المحكمة , في أن تسمع وتحاكم , وتصدر قرارها في إحدى القضايا , وتختص المحاكم الفدرالية بالنظر في القضايا التي تتناول التأويلات الدستورية والمسائل المتعلقة بالقانون البحري , وكذلك عندما تكون الأطراف المتنازعة أو الخصوم في القضية هم من الولايات أو إحدى الولايات , أو أحد المواطنين في إحدى الولايات يقيم دعوى على ولاية أخرى , وهناك عدة صور من الاختصاص ( ) أولا": الاختصاص المطلق: إن القضايا التي يكون أحد أطرافها سفيرا" , أو التي تتعلق بجريمة فدرالية مثل الخيانة العظمى , والتجسس, وتزوير العملة , أو التي تتضمن اعتداء على حق الاختراع , أو حق التأليف والنشر , أو قانونا" من قوانين الكونغرس , لا تنظرها إلا المحاكم الفدرالية ( ) وللمحكمة الاتحادية العليا ومن خلال سلطتها في المراجعة التشريعية , أن تعلن أيا" من أعمال الرئيس , أو الكونغرس بأنه غير دستوري على أساس انه ينتهك الدستور , ولا يمكن رد مثل هذا القرار إلا بموجب تعديل دستوري أو بقرار من المحكمة ذاتها. وتمارس جميع المحاكم الأمريكية بما في ذلك المحاكم الفدرالية في مناسبات معينة , لكن الكلمة الأخيرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة تختص بها المحكمة الاتحادية العليا ( ) وقد لعبت المحكمة العليا الأمريكية دورا" بارزا" في فضيحة (وترجيت ) عندما أصدرت المحكمة في دعوى الولايات المتحدة ضد الرئيس ( ريتشارد نيكسون) أمرا" بطلب تسليم الشرائط المتعلقة بالمحادثات التي دارت بين الرئيس( نيكسون) وسبعة من مساعديه وعلى رأسهم النائب العام , ومن الذين كان قد تم توجيه تهم لهم لعلاقتهم بالسطو على (وترجيت) وقد اعترض ( نيكسون) على تسليم الشرائط باعتبار إن محادثات الرئيس تتمتع بالحصانة المطلقة , وقررت المحكمة العليا بالإجماع , بأنه ليس للمحادثات الرئاسية حصانة إذا تعلق الأمر ببينة تثبت ارتكاب جريمة , ولعل مما يحسب للنظام الأمريكي إن أربعة من قضاة المحكمة العليا من الذين أصدروا الحكم تم تعينهم بواسطة الرئيس ( نيكسون) ولم يشفع له تعينهم وعليه كان لأمر المحكمة العليا الدور البارز في استقالة الرئيس ( ريتشارد نيكسون) في( 8/ أغسطس 1974)( ) ثانيا: الاختصاص المشترك : يمكن أن تنظر القضايا أما محكمة فدرالية , أو محكمة ولاية , فالقضية التي تتضمن مواطنين من ولايات مختلفة تعرف هذه القضايا بقضايا ازدواج الجنسية , وإذا كانت قيمة الأموال في القضية تزيد عن ( 50,000) خمسون ألف دولار فانه يمكن للمدعي أن يرفع القضية إلى أي مستوى من مستويات المحاكم , فإذا عرضت القضية أمام محكمة ولاية فان المدعى عليه , يمكن أن يحولها إلى محكمة من محاكم المناطق الفدرالية ( ) ثالثا": الاختصاص الأصلي : المحكمة التي تنظر قضية لأول مرة يكون لها الاختصاص الأصلي بالنسبة لهذه القضية , أما المحكمة التي تنظر في قضية مستأنفة من محكمة أدنى فيكون لها الاختصاص الأصلي فقط , أما محاكم الاستئناف ليس لها إلا الاختصاص ألاستئنافي أما المحكمة الاتحادية العليا فتتمتع بكلى الاختصاصين الأصلي والاستئنافي ( ) الفرع الثاني: طبيعة قرارات المحكمة الاتحادية العليا تصدر المحكمة قراراتها دون سماع حجج شفوية , وتصدر المحكمة حكمها مشفوعا" برأي مكتوب غير موقع يطلق عليه ( رأي محكمة ) يشرح حيثيات القرار , وفي بقية القضايا يقدم المحامون عن الخصوم مذكرات تبرز أحقية القضية , ويسمح لكل طرف بنصف ساعة لعرض قضيته شفهيا" , والإجابة على تساؤلات القضاة , وبعد هذه المناقشة الشفهية يجتمع القضاة في اجتماع مغلق لمناقشة القضية والتصويت عليها في النهاية , ثم يتولى رئيس المحكمة كتابة رأي الأغلبية إذا كان متفقا" مع رأيه أو يطلب من احد القضاة أن يقوم بذلك , أما إذا لم يكن رأي رئيس المحكمة متفقا" مع رأي الأغلبية , يتولى أقدم القضاة كتابة الرأي وقد يحتاج الرأي النهائي لعدة شهور لصياغته , ويمكن للقضاة الآخرين أن يكتبوا رأيا" متفقا" عليه , يتفق ورأي الأغلبية ولكن لأسباب قانونية مختلفة , ولا تتفق الآراء المعارضة مع قرار الأغلبية وتعتبر هذه الآراء مهمة لأنها تشكل سوابق يمكن إتباعها في قضايا مماثلة في المستقبل ويمكن لآراء الأقلية أيضا" أن تصبح منطق الأغلبية في قضية مستقبلية , ويعلن القرار النهائي في جلسة علنية وتنشر كل القرارات في الجريدة الرسمية للولايات المتحدة , ومن المفترض أن تتبع المحاكم الأدنى قرارات المحكمة العليا , ويجب على الدوائر والوكالات الحكومية وشركات الأعمال أن تنفذ قرارات المحكمة ( ) وجدير بالذكر أن المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية لا تملك وسيلة لفرض أحكامها, فان سلطتها الدستورية تدعمها التقاليد الثقافية الأمريكية الراسخة من حيث احترام السلطة القضائية واحترام سيادة القانون , وهذا الاحترام يدعمه الاعتقاد بأنه عند تطبيق الدستور فان قضاة المحكمة العليا لا يقومون مجرد عرض وجهات نظرهم فيما يوجه أحكامهم , فما تستطيع أن تفعله المحكمة في قضية ما مقيدة أما بشي وارد في النص أو الوسيلة التي تم اللجوء إليها لتفسير النص فمثلما أن الدستور طبقا لتفسير المحكمة له ينظم سلطة باقي أفرع الحكومة فان الدستور يقيد سلطة المحكمة ذاتها ( ) الفرع الثالث : أهم الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الاتحادية العليا وضعت المحكمة العليا الأمريكية لنفسها ضوابط تتقيد بها في هذه الرقابة حتى لا تتجاوز على اختصاصات السلطة التشريعية من ناحية , وحتى تتجنب الآثار القانونية والسياسية الخطيرة التي قد تترتب على القضاء بعدم دستورية القوانين من ناحية ثانية , وحتى لا تطالب السلطة التشريعية بتقييد اختصاصات المحكمة من ناحية ثالثة , وأهم الضوابط التي تلتزم بها المحكمة الاتحادية العليا في ممارسة الرقابة مايلي:( ) 1- عدم تعرض المحكمة للمشكلة الدستورية إلا إذا كان ذلك ضروريا" للفصل في الخصومة الأصلية. 2- تبني قرينة تقضي بان الأصل في كل ما يصدر من السلطة التشريعية من قوانين انه صادر في الحدود التي رسمها الدستور لتلك السلطة , وعلى القضاء عند فحصه لدستورية القوانين أن لا يخرج عن مقتضى القرينة إلا إذا كان التعارض بين القانون والدستور تعارضا" واضحا" وصريحا" , بمعنى ذلك إن المحكمة لا تقضي بعدم الدستورية إلا إذا كان عدم الدستورية هذا فوق مستوى كل شك معقول , وانه إذا أمكن تفسير القانون على أكثر من وجه أن تلتزم هذا التفسير ما دامت عبارة القانون تحتمله. 3- عدم ممارسة المحكمة على القوانين إلا رقابة فنية ذات طابع قانوني مجرد واستبعاد كل عنصر غير دستوري من هذه الرقابة , فلا تناقش ضرورة التشريع أساسا لفحص دستوريته دون أن تبحث عن بواعثه الحقيقية. 4- استبعاد المسائل السياسية من نطاق الرقابة على دستورية القوانين. المطلب الثاني: الرقابة القضائية على دستورية القوانين في مصر عرفت مصر الرقابة على دستورية القوانين منذ زمن بعيد , فقد أصر مجلس الدولة منذ إنشائه في عام (1946) على حقه في إجراء هذه الرقابة دون نص خاص يبيح له ذلك . وفي عام (1969) أنشأت في مصر لأول مرة محكمة خاصة للرقابة الدستورية والتي كانت تجري عن طريق الدفع حيث يتقدم به صاحب المصلحة أمام محكمة الموضوع فإذا رأت أن الدفع جدي وان هناك شكوكا" جدية حول دستورية النص الذي يراد تطبيقه أوقفت الدعوى أمامها وحددت للخصم صاحب المصلحة مدة معينة يرفع الدعوى خلالها أمام المحكمة العليا . ثم صدر دستور عام (1971) فانشأ المحكمة الدستورية العليا وأصبحت هذه المحكمة الامتداد الطبيعي للمحكمة العليا ( ). وتأسيسا" على ذلك سنتناول هذا المطلب في فروع خمس نبحث فيها : تكوين المحكمة الدستورية العليا و اختصاصات المحكمة الدستورية العليا و إجراءات رفع الدعوى الدستورية ثم حجية الأحكام الدستورية وأخيرا الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الدستورية العليا . الفرع الأول: تكوين المحكمة الدستورية العليا تنص المادة (176 ) من الدستور المصري لعام (1971) على أن ينظم القانون تشكيل المحكمة الدستورية العليا , ويبين الشروط الواجب توافرها في أعضائها وحقوقهم وحصانتهم , ولقد بين قانون المحكمة الدستورية العليا كيفية تشكيلها , و ((تتكون المحكمة من رئيس وعدد كاف من الأعضاء وتصدر أحكامها وقراراتها من سبعة أعضاء , ويرأس جلساتها رئيسها أو أقدم أعضائها عند خلو منصب الرئيس أو غيابه أو وجود مانع لديه يقوم الأقدم من أعضائها في جميع اختصاصاتها)) ( ). وقد اشترط القانون فيمن يعين عضو في المحكمة أن تتوافر فيه الشروط العامة اللازمة لتولي القضاء طبقا لأحكام قانون السلطة القضائية , وألا يقل عمره عن خمسة وأربعين سنة ميلادية , ويكون اختياره من بين الفئات التالية : 1- أعضاء المحكمة الحاليين ( أي أعضاء المحكمة العليا التي حلت محلها المحكمة الدستورية العليا ) 2- أعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين ممن أمضوا في وظيفة مستشار أو ما يعادلها خمس سنوات متصلة على الأقل. 3- أساتذة القانون الحاليين والسابقين بالجامعات المصرية ممن امضوا في وظيفة أستاذ ثماني سنوات متصلة على الأقل. 4- المحامين الذين اشتغلوا أمام محكمة النقض والمحاكم الإدارية العليا عشر سنوات متصلة على الأقل.( ) ويعين رئيس المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية , ويعين عضو المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للهيئات القضائية وذلك من بين اثنين ترشح احدهما الجمعية العامة للمحكمة , ويرشح الآخر رئيس المحكمة , ويجب أن يكون ثلثا عدد أعضاء المحكمة على الأقل من بين أعضاء الهيئات القضائية , ويحدد قرار التعيين وظيفة العضو وأقدميته بها.( ) ويؤدي رئيس وأعضاء المحكمة قبل مباشرة أعمالهم اليمين التالية : ( اقسم بالله العظيم أن احترم الدستور والقانون وأن احكم بالعدل ) ويكون أداء اليمين بالنسبة لرئيس المحكمة أمام رئيس الجمهورية , ويكون أداء اليمين بالنسبة للأعضاء أمام الجمعية العامة للمحكمة.( ) وأعضاء المحكمة غير قابلين للعزل ولا ينقلون إلى وظائف أخرى إلا بموافقتهم.( ) أما إذا نسب إلى أحد أعضاء المحكمة أمر من شأنه المساس بالثقة أو الاعتبار أو الإخلال الجسيم بواجبات أو مقترحات وظيفته , يتولى رئيس المحكمة عرض الأمر على لجنة الشئون الوقتية بالمحكمة , فإذا قررت اللجنة بعد دعوة العضو لسماع أقواله أن هناك محلا للسير في الإجراءات ندبت أحد أعضائها أو لجنة من ثلاثة منهم للتحقيق , ويعتبر العضو المحال إلى التحقيق في إجازة حتمية بمرتب كامل من تاريخ القرار ويعرض التحقيق أو الاتهام لتصدر بعد سماع دفاع العضو وتحقيق دفاعه , تصدر حكمها بالبراءة أو بإحالة العضو إلى التقاعد من تاريخ صدور الحكم ... ويكون الحكم نهائيا" غير قابل للطعن بأي طريق. ( ) ولدى المحكمة هيئة تسمى هيئة المفوضين تتكون من رئيس وعدد كاف من المستشارين , والمستشارين المساعدين , ويحل محل الرئيس عند غيابه الأقدم من أعضائها , ويتولى رئيس الهيئة تنظيم العمل بها والإشراف عليها.( ) ويشترط فيمن يعين رئيسا لهيئة المفوضين ذات الشروط المقررة لتعيين أعضاء المحكمة في المادة 4 من قانون المحكمة.( ) وهم غير قابلين للعزل ولا يجوز نقلهم إلى وظائف أخرى إلا بموافقتهم , وتسري في شان ضماناتهم وحقوقهم وواجباتهم وإحالتهم إلى التقاعد وإجازاتهم والمنازعات المتعلقة بترقياتهم ومرتباتهم . والأحكام المقررة بالنسبة لأعضاء المحكمة.( ) الفرع الثاني اختصاصات المحكمة الدستورية العليا للمحكمة اختصاصات متعددة خصها القانون دون غيرها بذلك 1- الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. 2- الفصل في تنازع الاختصاص بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منها ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها. 3- الفصل في النزاع الذي يقوم بشان تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادرا" أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منها.( ) وتتولى المحكمة تفسير النصوص والقوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقا لأحكام الدستور , إذا أثارت خلافا" في التطبيق وكان لها من الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها.( ) ويجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليه وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعوى الدستورية.( ) الفرع الثالث إجراءات رفع الدعوى الدستورية تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي: 1- إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء النظر بإحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة العليا للفصل في المسألة الدستورية. 2- إذا دفع احد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة , ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا" لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا , فإذا لم ترفع في الميعاد اعتبر الدفع كان لم يكن.( ) ويجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقا لحكم المادة (29) بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته, والنص الدستوري المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة.( ) ولكل ذي شأن أن يطلب إلى المحكمة الدستورية العليا تعيين جهة القضاء المختصة بنظر الدعوى في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 25 من قانون المحكمة ويجب أن يبين في الطلب موضوع النزاع وجهات القضاء التي نظرته وما اتخذته كل منها في شأنه , ويترتب على تقديم الطلب وقف الدعوى القائمة المتعلقة به حتى الفصل فيه.( ) ولكل ذي شأن أن يطلب إلى المحكمة الدستورية العليا , الفصل في النزاع القائم بشان تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين في الحالة المشار إليها في الفقرة ثانيا" من المادة 25 ويجب أن يبين في الطلب النزاع القائم حول التنفيذ ووجه التناقض بين الحكمين أو أحدهما حتى الفصل في النزاع.( ) أما بخصوص تفسير النص التشريعي فانه يقدم طلب التفسير من وزير العدل , وبناء على طلب رئيس الوزراء , أو رئيس مجلس الشعب , أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية , ويجب أن يبين في طلب التفسير النص التشريعي المطلوب تفسيره تحقيقا لوحدة تطبيقه.( ) ويجب أن تكون الطلبات وصحف الدعاوى التي تقدم إلى المحكمة الدستورية العليا موقعا عليها من محام مقبول للحضور أمامها أو عضو بإدارة قضايا الحكومة بدرجة مستشار على الأقل حسب الأحوال وان يرفق بالطلب المنصوص عليه في المادتين (31 و 32) صورة رسمية من الحكمين الذين وقع في شانهما التنازع أو التناقض وإلا كان الطلب غير مقبول.( ) ويقدم قلم الكتاب قرارات الإحالة الواردة إلى المحكمة والدعاوى والطلبات المقدمة إليها في يوم ورودها أو تقديمها في سجل يخصص لذلك وعلى قلم الكتاب إعلان ذوي الشأن عن طريق قلم المحضرين بالقرارات أو الدعاوى أو الطلبات سالفة الذكر في مدة خمسة عشر يوما من ذلك التاريخ وتعتبر الحكومة من ذوي الشأن في الدعاوى الدستورية.( ) وتودع هيئة المفوضين بعد تحضير الموضوع تقريرا" تحدد فيه المسائل الدستورية والقانونية المثارة ورأي الهيئة فيها مسببا" ويجوز لذوي الشأن أن يطلعوا على هذا التقرير بقلم المحكمة ولهم أن يطلبوا صورة منه على نفقتهم.( ) ويحدد رئيس المحكمة خلال أسبوع من إيداع التقرير تاريخ الجلسة التي تنظر فيها الدعوى أو الطلب ... ( ) ويجب حضور أحد أعضاء هيئة المفوضين جلسات المحكمة ويكون من درجة مستشار على الأقل . ويقبل للحضور أمام المحكمة المحامون المقبولون للمرافعة أمام محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا , ويكون الحاضر عن الحكومة من درجة مستشار على الأقل بإدارة هيئة قضايا الدولة.( ) وتحكم المحكمة في الدعاوى والطلبات المعروضة عليها بغير مرافعة فإذا رأت ضرورة المرافعة الشفوية فلها سماع الخصوم وممثل هيئة المفوضين , وفي هذه الحالة لا يؤذن للخصوم أن يحضروا أمام المحكمة من غير محام معهم , وليس للخصوم الذين لم تودع بأسمائهم مذكرات وفقا لحكم المادة(37 ) ( ) الحق في أن ينيبوا عنهم محاميا" في الجلسة.( ) الفرع الرابع حجية الأحكام الدستورية إن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة , ويترتب على الحكم بعدم دستورية النص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا" إلى ذلك النص كأن لم تكن , ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضاه.( ) وتفصل المحكمة دون غيرها في كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها وتسري هذه المنازعات الأحكام المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها ويترتب على رفع المنازعة وقف التنفيذ ما لم تأمر المحكمة بذلك حتى الفصل في المنازعة.( ) وأحكامها وقراراتها نهائية غير قابلة للطعن.( ) الفرع الخامس أهم الضوابط التي تتقيد بها المحكمة الدستورية العليا سارت المحكمة الدستورية العليا المصرية على خطى المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية فقيدت نفسها بمجموعة من الضوابط تلتزمها في ممارسة الرقابة على دستورية القوانين ( ) : 1- عدم تعرض المحكمة للمشكلة الدستورية إلا إذا كان ضروريا" للفصل في الخصومة الأصلية . 2- أن يقيم المدعي وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه , الدليل على أن ضررا" واقعيا" قد الحق به , ويتعين أن يكون هذا الضرر مباشرا" منفصلا" عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور مستقلا" بالعناصر التي يقوم عليها ممكنا تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره . 3- أن يكون هذا الضرر عائدا" إلى النص المطعون فيه , وليس ضررا" متوهما" أو منتحلا" أو مجهولا" , فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلا" على من ادعى مخالفته للدستور أو كان من غير المخاطبين بأحكامه أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها ولا يعود عليه , دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة , والمصلحة الشخصية المباشرة شرط ضروري لقبول الدعوى الدستورية 4- استبعاد المسائل السياسية من نطاق الرقابة على دستورية القوانين. المبحث الثالث: أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين الكثير من دساتير الدول تبنت الرقابة القضائية على دستورية القوانين , غير أن هذه الدول لم تتفق على نوع واحد في الرقابة القضائية على دستورية القوانين , فمنها تمارس الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة ( رقابة الإلغاء) ومنها ما تسمح بهذه الرقابة بواسطة الدفع الفرعي , وهناك من تبنت طريقة المزج بين الدعوى الأصلية والدفع بعد الدستورية كما في مصر, وتفريعا" على ذلك يتعين علينا أن نتعرف إلى أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين في مطلبين: المطلب الأول : الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة (رقابة الإلغاء) المطلب الثاني : الرقابة القضائية بطريقة الدفع الفرعي . المطلب الأول : الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة (رقابة الإلغاء) تحدث الرقابة بطريقة الإلغاء أو الدعوى الأصلية controle parvoie daction عندما يقوم صاحب الشأن المتضرر من قانون معين بالطعن فيه مباشرة أمام المحكمة المختصة طالبا إلغائه لمخالفته الدستور , دون أن ينتظر تطبيق القانون عليه في دعوى من الدعاوى القضائية , فإذا ما ثبت للمحكمة المختصة أن القانون المطعون فيه مخالف للدستور فإنها تحكم بإلغائه بحيث كأن لم يكن أو إنهاء حياته بالنسبة للمستقبل طبقا لأحكام الدستور التي تنظم الرقابة القضائية ( ) . وقد يكون هذا الحكم قبل صدور القانون المخالف للدستور فتسمى رقابة الإلغاء السابقة أو بعده فتسمى رقابة الإلغاء اللاحقة. وبسبب خطورة الأثر المترتب على هذا الحكم والمتمثل بإلغاء تشريعات البرلمان، حرصت الدول على إن تمارسه محاكم دستورية عليا متخصصة أو أعلى درجات القضاء في الدولة، كما لم تجز كثر منها للأفراد إن يطعنوا مباشرة في دستورية القوانين بينما أجاز بعضها ذلك بطريق غير مباشر بان يتقدموا بالطعن بعدم دستورية قانون ما أمام بعض المحاكم، فان اقتنعت هذه المحكمة بجدية الطعن تقدمت به إلى المحكمة الدستورية( ).وتفريعا" على ذلك سأتناول هذا المطلب في ثلاث فروع ,الأول رقابة الإلغاء السابقة , والثاني رقابة الإلغاء اللاحقة أما الثالث مزايا وعيوب الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشر. الفرع الأول : رقابة الإلغاء السابقة بعد تشريع القانون من قبل السلطة التشريعية المكلفة بإعداد القانون , يرسل القانون للتصديق عليه لغرض إصداره , وقد ترتئي الجهة الموكلة بالتصديق إرسال هذا القانون إلى محكمة خاصة يحددها الدستور , للتأكد من عدم تعارض القانون مع الدستور , فتحريك الرقابة يكون من السلطة , وليس من قبل الأفراد , وقد أخذ بهذا دستور ايرلندا لعام 1937 , حيث يتعين على رئيس الدولة إذا رغب بممارسة حق الرقابة أن يحيل القانون في ظرف سبعة أيام من تاريخ استلامه للقانون إلى المحكمة العليا , وبعد استشارت مجلس الدولة , أن تصدر حكمها في فترة لا تتجاوز الستين يوما , فإذا أصدرت المحكمة حكما بدستورية القانون المحال إليها وجب على رئيس الجمهورية التصديق عليه , وقد تبنت هذه الطريقة من الرقابة بعض دول أمريكا اللاتينية أمثال كولومبيا في دستورها لعام 1886 , وبنما في دستورها لعام 1904 , والإكوادور في دستورها لعام 1929 ( ). الفرع الثاني : رقابة الإلغاء اللاحقة وهي رقابة لاحقة على إصدار القانون أو هي وسيلة هجومية تسمح لبعض الجهات أو المراجع بالطعن في هذا القانون مباشرة أي بصورة مستقلة عن أي نزاع عن طريق الدعوى الأصلية ( ). فمضمون رقابة الإلغاء هو ما تضمنه الدستور ذاته من حق للأفراد أو لبعض السلطات في إقامة الدعوى والطعن المباشر في قانون ما باعتباره مخالفا" للدستور وأمام محكمة معينة يقع ذلك من اختصاصها , فإذا ما اقتنعت تلك المحكمة بعدم دستورية القانون فإنها سوف تصدر قرارها بإلغائه ويكون هذا القرار نافذا" بالنسبة للجميع دون الاقتصار على مصلحة الطاعن , والمشكلة التي ستثور بهذا الشأن هي نوع المحكمة المختصة , هل هي المحكمة الدستورية , أم اختصاص المحاكم العادية , وقد اختلفت الدساتير بهذا الشأن بين إناطة الرقابة على دستورية القوانين بمحكمة قضائية أو إناطة ذلك بمحكمة خاصة كما أخذت بذلك سويسرا . فمن اخذ بالاتجاه الأول عهد إلى المحكمة العليا في الدولة أيا" كانت تسميتها محكمة اتحادية أو محكمة تمييز , إضافة لاختصاصاتها المدنية والجنائية وفي سويسرا عهد إلى المحكمة الاتحادية العليا الفصل بالدعاوى المتعلقة بانتهاك الحقوق الدستورية للمواطنين , غير أن هذه الرقابة محدودة نسبيا" إذ أنها لا تمتد إلى القوانين المشرعة من البرلمان الاتحادي , بل تقتصر على الدعاوى المقدمة ضد قوانين الكانتونات , وضد القرارات الصادرة من السلطات الأخرى في الكانتونات , فالدعاوى والطعون بالنسبة لهذه القوانين والقرارات تقبل على نطاق واسع جدا" سواء تعلقت بمخالفتها للدستور الاتحادي , ودستور الولاية , فلكل ذي مصلحة حالية أو مستقبلية أن يستفيد من هذا الحق في الطعن , بل أجاز الدستور السويسري للأفراد تقديم الطعون ضد قوانين الولايات ذات الصفة العامة حتى وان لم تكن هناك مصلحة للفرد كون المصلحة عامة , وهي المحافظة على سلامة الدستور , وقد أخذ بهذا الاتجاه دستور كوبا لعام (1934) , ودستور هايتي لعام (1928) , ودستور فنزويلا لعام (1931) , أما الاتجاه الثاني, فهو الدعوى المباشرة أمام المحاكم الدستورية , وتتصف هذه الدعوى (دعوى الإلغاء) بأنها على اتفاق مع سابقتها من حيث أنها تأخذ بطريقة الدعوى المباشرة , وتؤدي إلى إلغاء القانون المخالف للدستور بالنسبة للجميع وكلتا المحكمتان لقراراتها حجية مطلقة لكن الذي يفرق بينهما هو أن الأولى محكمة قضائية عادية ( ) ونظرا" لخطورة الدور الذي تقوم به المحكمة في هذه الحالة فانه يعهد بهذه الرقابة إلى محكمة واحدة في الدولة وذلك لتجنب تضارب الأحكام إذا ما عهد بهذه المهمة إلى عديد من المحاكم , وغالبا" ما تسند هذه الرقابة إلى محكمة دستورية تنشأ خصيصا" لهذا الغرض , ومن أمثلة الدول التي تبنت نظام المحكمة المختصة ايطاليا في دستورها الصادر عام (1947) , وألمانيا في دستورها الصادر عام (1949) ( ) ومن الدساتير العربية الدستور السوري لعام (1973) , والدستور الكويتي لعام (1962) , والدستور المصري لعام (1971) , وقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام (2004) , ودستور العراق الدائم لعام (2005) الذي نص على أن تختص المحكمة الاتحادية بالرقابة على دستورية القوانين. وقد جاء في المادة الرابعة من قانون المحكمة الاتحادية العليا أن مهام المحكمة مايلي:( ) 1- الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. 2- الفصل قي المنازعات المتعلقة بدستورية وشرعية التشريعات كافة وإلغاء ما يتعارض منها مع الدستور . 3- النظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من القضاء الإداري. 4- النظر في الدعاوى المقامة أمام المحكمة بصفة استئنافية وينظم هذا الاختصاص بقانون ومن ذلك نخلص إلى إن الطعن بعدم الدستورية يمكن أن يوجه إلى القانون والأنظمة والتعليمات , وهذه توسعة محمودة لان الأنظمة هي قرارات إدارية تتضمن قواعد عامة مجردة جديرة بالرقابة , وهي ستخضع لطريقتين من طرق الطعن , الطريقة الأولى , هي الطعن فيها أمام المحكمة الاتحادية العليا , إذا جاءت منتهكة لأحكام الدستور , وللمحكمة المذكورة إلغائها إذا ما استبان لها الانتهاك جليا , وعندها يتوجب على جهة الإدارة إزالة كل الآثار القانونية المترتبة عليها واعتبارها كأن لم تكن منذ لحظة صدورها . أما الطريقة الثانية , فهي الطعن فيها أمام محكمة القضاء الإداري التي تملك اختصاص النظر في صحتها استنادا إلى أحكام المادة (7 / ثانيا / د) من قانون مجلس شورى الدولة رقم (65 لسنة 1979) المعدل وبالتالي إلغائها إذا ما وجدت مخالفة لأحكام القانون والتعويض عن الأضرار الناشئة عنها إذا كان له مقتضى بناء على طلب المدعي , وهكذا ستخضع الأنظمة والتعليمات لرقابة صارمة ضمانا" لاحترام أحكام الدستور والقوانين و يتم بناء على دعوى من مدعي , أو طلب من محكمة أخرى إذا وجدت المحكمة المختصة أيا كانت مدنية , أو جنائية , أو إدارية , إن قانونا" أو نظاما" أو تعليمات جاءت منتهكة لحرمة الدستور فان لها أن تحيل الأمر إلى المحكمة الاتحادية العليا لتفصل فيه بحكم قاطع نافذ في مواجهة الكافة , وهذا توسع أيضا" في نظام الرقابة على دستورية القوانين ( ) إن عملية الرقابة تؤدي إلى تأكيد صحة التصرفات التي أجريت كما حددها القانون لها لتحقيق المشروعية , كما تؤدي إلى تحديد التصرفات الخاطئة لإعادة تقيمها ضمن الحدود القانونية لتدخل المشروعية عليها وبالتالي يكون حصيلة كلى العمليتين تحقيق سيادة القانون ( ) الفرع الثالث : مزايا وعيوب الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة انقسم الفقهاء بشان الرقابة القضائية على دستورية القوانين بين مؤيد ومعارض على تفصيل في الأمر نبين حجج الطرفين فيما يلي : أولا": مزايا الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة تحقق هذه الرقابة بعض المزايا المهمة التي لا تنكر , فمن ناحية أن تخصص جهة قضائية واحدة بمسألة فحص دستورية القوانين وتقرير ما إذا كان القانون المطعون فيه مخالف لأحكام الدستور أم لا وذلك سواء كانت هذه الجهة القضائية هي المحكمة العليا في النظام القضائي القائم في الدولة , أو محكمة دستورية خاصة أنشأت لتضطلع بهذه المهمة يؤدي إلى ثبات الأوضاع واستقرار المعاملات القانونية . ومن ناحية أخرى فان الحكم الصادر بالإلغاء في حالة ثبوت مخالفة القانون المطعون فيه لأحكام الدستور ينهي المشكلة ويحسم الموقف بصفة نهائية مما لا يسمح بالعودة مرة أخرى لطرح النزاع بصدد نفس القانون أمام محكمة أخرى أو أمام ذات المحكمة ( ). ثانيا": عيوب الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة: بالرغم من مزايا الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة , إلا أنها لم تسلم من النقد من جانب الفقه الدستوري باعتبار أنها تمثل خروجا على حدود مهمة القضاء وتؤدي إلى إقحامه في المجال التشريعي وإهداره لعمل السلطة التشريعية , مما يعتبر مساسا" بمبدأ الفصل بين السلطات , كما إن إعطاء سلطة إلغاء القانون يعطيها مركزا" قويا" ونفوذا" كبيرا" باتجاه سلطات الدولة لا سيما السلطة التشريعية( ). المطلب الثاني: الرقابة القضائية بطريقة الدفع الفرعي في هذا النوع من الرقابة القضائية على دستورية القوانين , لا توجد دعوى بإلغاء قانون من القوانين لعدم دستوريته وإنما يتعلق الأمر بالدفع بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه , يتقدم أحد أطراف النزاع في قضية معروضة أمام القضاء وإنما تأخذ شكلا" دفاعيا" مقتضاه أن ينتظر صاحب الشأن الذي يراد تطبيق قانون معين عليه في قضية مطروحة أمام محكمة من المحاكم , ثم يدفع بعدم دستورية هذا القانون , فتتولى المحكمة بحث الأمر فإذا أثير الدفع بصددها أي أن المحكمة في حالة الدفع بعدم الدستورية لا تقضي بإلغاء القانون وإنما تمتنع فقط عن تطبيقه في القضية التي أثير الدفع بمناسبتها ويظل القانون قائما" ويمكن أن تثار مسالة عدم دستوريته من جديد وذلك لان حكم المحكمة له حجية نسبية فلا يقيد المحاكم( ) بل ولا نفس المحكمة بالنسبة للقضايا التي تعرض عليها فيما بعد ذلك فان هذه الطريقة تعد أخف وطأة وأقل أثرا" من الطريقة السابقة التي تؤدي إلى إعدام القانون المخالف للدستور , ويرجح في الفقه والقضاء أن سكوت الدستور لا يمنع المحاكم من رقابة دستورية القوانين عن طريق الدفع الفرعي , لان القاضي في هذه الحالة إنما يغلب حكم القانون الأعلى على حكم القانون الأدنى , وذلك يدخل ضمن صلاحيات وظيفته , وقد أخذت كثير من الدول بهذه الطريقة دون نص من الدستور , وكانت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحكم الشهير الذي أصدر القاضي marshall عام (1803) , ومن البلاد التي أخذت بها كذلك اليونان , والنرويج , وقد نصت بعض الدساتير صراحة على ذلك كدستور اليابان الصادر عام (1946) ( ) والظاهر أن قضاء المحاكم الأمريكية في مجال الرقابة الدستورية هو قضاء امتناع عن التطبيق , ولكن أثر هذا القضاء يزداد قوة بفضل نظام السوابق القضائية النافذ في الولايات المتحدة , وبمقتضى هذا النظام أن كل محكمة تتقيد بالحكم الذي أصدرته . وتتقيد به المحكمة التي في درجتها , وكذلك المحكمة الأدنى درجة , فالحكم الصادر من المحكمة العليا وهي أعلى محكمة في الاتحاد بعدم دستورية أي قانون يقيدها كما يقيد سائر المحاكم الاتحادية , ومحاكم الولايات , وهكذا يتضح من قضاء المحاكم الأمريكية قضاء امتناع عن التطبيق مؤسس على نظام السوابق القضائية , ويقترب هذا القضاء من حيث النتائج العملية في هذه الحالة من قضاء الإلغاء , إلا أنه لا يزال متميزا" عنه ومختلفا" في آثاره من حيث وجود القانون بالنسبة لقضاء الامتناع وزوال القانون من الوجود بالنسبة لقضاء الإلغاء , وآية ذلك أن المحكمة العليا وان كانت مقيدة بالأحكام الصادرة منها إلا انه من المتصور أن تتطور الظروف على نحو يحملها على العدول عن قضائها السابق وعندها يستأنف ذلك القانون نفاذه ( ) ويعد هذا النوع أو الأسلوب الأكثر نجاحا" في فرض الرقابة على دستورية القوانين في الدول التي تخلو دساتيرها من النص صراحة على حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين، إذا ما دفع أمامه – أثناء نظر دعوى مرفوعة – بعدم دستورية قانون ما واجب التطبيق. وهو ما درج عليه القضاء المصري في ظل دستور عام (1956) ودستور عام (1958) رغم خلوهما من نصوص تنظيم الرقابة.( ) . ويعيب هذه الطريقة إنها بتركها مهمة الرقابة على دستورية القوانين لكافة المحاكم تؤدي عادة إلى تناقض الأحكام وعدم الوحدة التشريعية , كما لا تضع حدا" نهائيا للخلاف الذي يمكن أن يثور حول عدم دستورية قانون من القوانين ( ). وعلى العموم فان هذا النوع أو هذه الطريقة ليست الوحيدة التي ابتدعها القضاء الأمريكي وتمكن من خلالها أن يمارس الرقابة على دستورية القوانين , فهي وان كانت أكثر شيوعا إلا انه بجانبها توجد أنواع أخرى للرقابة على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية , وتفريعا" على ذلك سنبحث هذه الأنواع من الرقابة في ثلاث فروع :الفرع الأول: الرقابة القضائية بطريقة الأمر القضائي , والثاني الرقابة القضائية بطريقة الإعلان القضائي, والثالث الرقابة القضائية بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية والدفع بعدم الدستورية . الفرع الأول : الرقابة القضائية بطريقة الأمر القضائي في هذا النوع من الرقابة , لا ينتظر من يدعي عدم دستورية قانون ما أن تقام عليه دعوى يراد خلالها تطبيق هذا القانون , فيدفع عند ذاك بعدم دستوريته وإنما يطلب من القاضي أن يأمر بإيقاف الإجراءات التي يمكن أن تتخذ ضده باعتبارها إجراءات تستند إلى قانون , أو هي تنفيذ لقانون يعتقد بأنه مخالفا" للدستور وعندها يفحص القاضي دستورية هذا القانون فإذا تبين له أنه يخالف أو يناقض الدستور , وجه أمرا" لمن يريد اتخاذ إجراءات معينة بمقتضاه ( أي تطبيقه) يمنعه فيه من اتخاذها , ويستطيع القاضي أن يأمر موظفا بأن لا يستحصل ضريبة معينة من الشخص الذي لجأ إلى القضاء لان هذه الضريبة فرضها قانون غير دستوري , وحتى إذا استحصلها فان القاضي يستطيع أمره بإعادتها لمن استحصلت منه ( ) وبموجب هذه الطريقة يجوز لأي فرد أن يلجأ إلى المحكمة المختصة , وتختص بإصدار الأمر القضائي محكمة اتحادية خاصة تتألف من ثلاثة حكام , ويجوز الطعن في أحكامها أمام المحكمة الاتحادية العليا مباشرة طبقا لقانون صدر عام (1910)(*) يطلب إيقاف تنفيذ أي قانون على أساس أنه غير دستوري وان من شأن تنفيذه أن يلحق ضررا" وذلك دون أن تكون هناك دعوى سابقة , فإذا تبين أن ذلك القانون مخالف للدستور أصدرت أمرا" قضائيا إلى الموظف المختص بعدم تنفيذ ذلك القانون , ويجب على الموظف في هذه الحالة تنفيذ الأمر القضائي الصادر إليه وإلا عد مرتكبا لجريمة خاصة تسمى ( احتقار المحكمة) وتعرض هذه الجريمة مرتكبها للحكم عليه بالحبس أو الغرامة ( ) الفرع الثاني : الرقابة القضائية بطريقة الإعلان القضائي بمقتضى هذا النوع من الرقابة لا ينتظر المدعي بعدم دستورية قانون ما احتمال تطبيق إجراء ضده أو حتى تطبيقه كما في النوع السابق , ليطلب من القاضي أن يأمر بعدم اتخاذ هذه الإجراءات لأنها تستند إلى قانون غير دستوري , وإنما يطلب مباشرة من القاضي أن يعلن رأيه حول دستورية قانون ما قد يحتمله تطبيقه فهو يطلب إعلانا" قضائيا" من المحكمة حول دستورية هذا القانون , وبعد صدور هذا الإعلان يستطيع أن يعرف المدعي ومن يريد تطبيق القانون , حقوقهم والتزاماتهم أو بعبارة أخرى يستطيع من يريد تطبيق القانون إلى أي مدى يستطيع تطبيقه , فالإعلان القضائي هو طريقة توضيحية لمضمون قانون ما من حيث دستوريته تتم عن طريق إقامة دعوى مباشرة أمام القضاء لطلب إعلان قضائي حول مضمونه أو مدى مطابقة هذا المضمون للدستور , أي حول دستوريته , وهذا النوع من أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين تعد من احدث أنواع الرقابة في الولايات المتحدة الأمريكية ( ) وتبنت محاكم الولايات هذه الطريقة منذ عام (1918) , وقد ترددت في استخدامه المحكمة الاتحادية العليا استنادا إلى أن طلب الحكم التقريري ( الإعلان القضائي) لا يتضمن أي منازعة حتى يمكن القول باختصاصها ولكنها استقرت على العمل به خاصة بعد أن أصدر الكونغرس عام (1934) قانونا خول به المحاكم هذا الحق صراحة ( ) الفرع الثالث : الرقابة القضائية بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية والدفع بعدم الدستورية لم يكن في معظم دساتير الدول في الأصل تقديم الطعن بالإلغاء إلى المحكمة الدستورية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , ثم أجيز ذلك بطريقة غير مباشرة , وبيان ذلك يتقدم الأفراد بالطعن بعدم دستورية قانون ما أمام المحاكم , فان اقتنعت بجدية الطعن تقدمت به إلى المحكمة الدستورية ( ) وهذه الرقابة تفترض وجود دعوى يراد فيها تطبيق قانون معين فيدفع أحد الخصوم بعدم دستورية هذا القانون , وفي هذه الحالة لا تفصل المحكمة في صحة الدفع بل تؤجل النظر في الدعوى وتحيل الطعن في دستورية القانون إلى المحكمة الدستورية التي يكون لحكمها حجية مطلقة تجاه الكافة , وهذه الطريقة المتبعة في مصر , والمحكمة التي يثار فيها الدفع بعدم دستورية قانون ما تمنع صاحب الشأن مهلة لا تجاوز الثلاثة أشهر لمراجعة المحكمة الدستورية العليا , فإذا لم يفعل اعتبر الدفع كأنه لم يكن ( ) فنظام الرقابة على دستورية القوانين كما نظمه القانون في مصر بالنسبة للأفراد تعد طريقة خاصة من الرقابة تختلف عن الطريقتين التقليديتين , الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية , والرقابة بطريقة الدفع الفرعي , وان كان يقوم المزج بينهما فهو يختلف عن طريقة الدعوى الأصلية المباشرة في أمرين, الأمر الأول: إن مسألة دستورية القوانين لا يمكن أن تثار بداية أمام المحكمة الدستورية العليا , وإنما يجب أن يتعلق الأمر بدعوى سبق أن أقيمت أمام إحدى المحاكم ودفع فيها بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه , وقدرت هذه المحكمة جدية الدفع , أما الأمر الثاني: إن المحكمة العليا عندما يرفع الأمر إليها وتحكم بعدم دستورية القانون , فإنها لا تلغي القانون وإنما تمنع تطبيقه فقط . وهو يختلف عن نظام الرقابة بطريقة الدفع وذلك في أمرين , الأمر الأول: إن المحكمة التي يدفع أمامها بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه ليست هي التي تفصل في مسألة الدستورية وإنما يقتصر دورها على تقرير ما إذا كان الدفع جديا" أم غير جدي , فإذا رأت جديته أوقفت الفصل قي الدعوى وحددت للخصوم ميعادا لرفع دعوى عدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا التي تتولى الفصل في الأمر , الأمر الثاني: إن أحكام المحكمة ملزمة لجميع سلطات الدولة كافة ( ) وتلافيا" لعيوب الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة من ناحية , والرقابة القضائية بطريقة الدفع الفرعي من ناحية أخرى , فقد اتجهت بعض الدساتير التي أخذت بالرقابة القضائية على دستورية القوانين إلى المزج بين طريقتي الرقابة القضائية. لهذا تنص الدساتير التي تأخذ بهذا النوع من الرقابة على ضرورة نشر القرارات بنفس الطريقة التي تنشر بها التشريعات العادية ( ). ورغم أن الغالبية العظمى من دساتير الدول تبنت إحدى أنواع الرقابة القضائية على دستورية القوانين , ولكن قد يسكت الدستور عن طريقة للبحث في دستورية القوانين , فذهب جانب من الفقه الدستوري إلى أنه ليس للقضاء في مثل هذه الحالة سلطة البحث في دستورية القوانين , لان وظيفة القضاء وهي تطبيق القانون وليس الحكم عليه , ولان القانون يعد تعبيرا" عن الإرادة العامة للجماعة فلا يحق للقاضي التعقيب عليها وهو لا يملك تفسير القواعد الدستورية فذلك من عمل السلطة التشريعية , وهو ليس برقيب على أعمالها ولان بحثه في دستورية القوانين يخل بمبدأ الفصل بين السلطات , ويجعل القضاء سلطة سياسية تسمو على سائر السلطات , في حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى إعطاء القضاء سلطة النظر في دستورية القوانين ولو لم ينظم الدستور هذه الرقابة , وهو الرأي الراجح لسلامة حججه ومنطقية نتائجه وضمانة بعض الرقابة على أعمال السلطة التشريعية , فالقضاء حينما ينظر نزاعا" فانه يبحث عن الحكم القانوني للنزاع في النظام القانوني بمجمله بدءا" من الدستور ونزولا" لآخر قاعدة في الهرم القانوني والحكم بما تقضي به القاعدة الدستورية باعتبارها القاعدة الأعلى وكل ذلك يدخل في صميم عمل القاضي باعتبار القضاء هو صاحب السلطة في تفسير القوانين وإعمالها على النزاعات المطروحة عليه , وأول هذه القوانين وأهمها القانون الأعلى للدولة وهو الدستور ( ). وتقديرا" للرقابة السياسية والرقابة القضائية على دستورية القوانين نرى مايلي : 1- على الرغم من الانتقادات التي وجهت إلى الرقابة السياسية من أن القائمين عن الرقابة قد لا تتوافر لديهم القدرة الفنية والخبرة القانونية , وان الطعن بعدم الدستورية يقوم على اعتبارات سياسية أكثر منها قانونية , وإبعاد الأفراد العاديين من عدم ممارسة الطعن في دستورية قانون ما , وهو يعد بحد ذاته مثلبة على الرقابة السياسية , ونحن نتفق مع من يقول بهذه الانتقادات , إلا إننا نختلف معهم بخصوص تعيين الأعضاء الذين يمارسون هذه الرقابة من أن الأعضاء المعينين قد لا تتوافر لديهم القدرة الفنية والخبرة القانونية , نرى بعكس ذلك, فلو تتبعنا أعضاء المجلس الدستوري الفرنسي الذين يخضعون للتعيين , فالغالبية العظمى لديهم مؤهلات قانونية وحاصلين على شهادات في الحقوق وهم الذين يقع العبء الثقيل عليهم في ممارسة مهامهم , أما الأعضاء الحكميين فإنهم لا يحضرون جلسات المجلس الدستوري . أما ما قيل بمسألة الحيدة والاستقلال من أن هذه المحددات المذكورة تؤثر على حياد من يمارس الرقابة السياسية , نعتقد أن مسألة الحيدة والاستقلال مسألة نسبية تتعلق بشخصية القاضي , وان كنا نتفق مع ضرورة استقلال السلطة القضائية , فالاستقلال ليس كافيا" أن يوضع بنصوص دستورية وقانونية , فالكثير من الدساتير نصت على استقلال السلطة القضائية , لكن الواقع العملي يشير إلى عكس ذلك نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل بلد , فالعبرة ليست في وضع النصوص الدستورية والقانونية , ولكنها في تطبيق واحترام هذه النصوص من قبل السلطة والأفراد على السواء. 2- إن السلطة القضائية تستمد استقلاليتها ليس من الدستور فقط وإنما تستمد قوتها من الرأي العام أيضا الذي يشكل ضغطا" على من ينتهك استقلالية السلطة القضائية وخير مثال على ذلك عندما وقف الرأي العام الباكستاني مع رئيس المحكمة الدستورية العليا الباكستانية القاضي (افتخار محمد جودري) الذي عزل من منصبه بضغوط سياسية من الرئيس الباكستاني( برويز مشرف ), وتعرض للمحاكمة , لكن الرأي العام الشعبي وقف موقفا" صلبا" ومدافعا" عن القاضي (جودري) والمطالبة باستقلالية السلطة القضائية , فالاستقلال يتعلق أيضا" بثقافة الشعوب وتحضرها في احترام تطبيق وتنفيذ القانون , واستقلال السلطة القضائية يجب أن يكون متوازن ومعقول , لا تكون السلطة القضائية أداة بيد السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية ولا تكون السلطة القضائية منفصلة فصلا" تاما" يخشى منها من أن تشكل حكومة قضاة , ونرى أيضا إن الحيدة والاستقلال تتعلق بالمدة الزمنية التي يشغلها القاضي في ممارسة وظيفته القضائية , وتختلف من بلد لآخر , فقضاة المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية يمارسون مدة عضويتهم مدى الحياة غير قابلين للعزل , فهو الذي يؤيد من استقلالية القضاة والقضاء على السواء , وفي فرنسا يمارس أعضاء المجلس الدستوري المعينين مهامهم الموكلة إليهم مدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد وهذا يجعل من أعضاء المجلس الدستوري أن لا أمل لهم في تجديد عضويتهم مرة أخرى , وهو مدعاة بأن يمارس العضو مهامه بكل حيدة واستقلال . ومهما قيل عن حياد واستقلال القضاة فهم بالنتيجة بشر غير معصومين من الزلل سواء من كان يمارس رقابة سياسية أو رقابة قضائية . 3- إن تبني الرقابة السياسية أو الرقابة القضائية في بلد ما مسألة تتوقف على ظروف كل بلد , فلا يجوز أن نقيس بلد تختلف ظروفه عن فرنسا ذلك البلد العريق في الديمقراطية وننفل عنه نظام المجلس الدستوري . 4- إن اختيار النظام الملائم لكل بلد هو مؤشر نجاح أو فشل ذلك النظام , فالبلدان المتقدمة التي مارست الديمقراطية المتقدمة تمتلك مؤسسات دستورية قوية ورأي عام فعال وبالتالي فان المجتمع يسير إلى حد كبير بطريقة سليمة ولو لم توجد لديه محكمة دستورية , أما البلدان النامية حيث الرأي العام ضعيف أو معدوم وحيث المؤسسات الدستورية هشة وحيث السلطة التنفيذية متسلطة فانه لا يلائمها لرقابة الدستورية إلا وجود محكمة دستورية تشكل جزءا" من سلطة قضائية تقف على قدم المساواة من السلطتين التشريعية والتنفيذية. 5- إن ترجيحنا للرقابة القضائية على الرقابة السياسية , كون الأولى تجيز للأفراد الطعن بعدم دستورية قانون ما , أما الأخيرة فإنها لا تجيز ذلك , وهذا ما جعلها في موضع انتقاد من الفقه والقضاء الدستوري , ونعتقد إن حق الفرد في الطعن بعدم الدستورية أحد الركائز التي تقوم عليها ضمانات حقوق الإنسان. الفصل الثاني ضمانة استقلال القضاء وأثرها في الرقابة على دستورية القوانين سنبحث هذا الفصل في مبحثين نتطرق في الأول إلى تأصيل استقلال القضاء التاريخي, وفي المبحث الثاني استقلال القضاء وأثرة في الرقابة الدستورية المبحث الأول : تأصيل استقلال القضاء التاريخي إن الحديث عن تعدد الهيئات في الدولة قديم جدا" إذ تحدث فلاسفة الإغريق مثل أفلاطون وأرسطو عن هيئات الدولة , وذكرها الأول على أنها ست وظائف وهذه الوظائف هي( ): 1- مجلس السيادة ويتألف من عشرة أعضاء ويهيمن على مختلف شؤون الدولة. 2- جمعية تضم كبار الحكماء والمشرعين ووظيفتها حماية الدستور من عبث الحكام والإشراف على سلامة تطبيقه. 3- مجلس شيوخ منتخب من الشعب مهمته تشريع القوانين. 4- هيئة بوليس للمحافظة على الأمن في الداخل وهيئة جيش للدفاع عن الحدود الخارجية للدولة. 5- هيئة تعليمية وأخرى تنفيذية لإدارة مختلف الخدمات في الدولة. 6- هيئة قضائية تتألف من عدة محاكم على مختلف الدرجات للفصل في النزاعات بأنواعها بينما حصرها أرسطو بثلاث هيئات هي: 1- هيئة تشريعية للمداولة ووضع القوانين وهي عبارة عن جمعية الشعب في الديمقراطية المباشرة. 2- هيئة تنفيذية تتولى تنفيذ القوانين وهي تتألف من الأشخاص الذين تعينهم جمعية الشعب . 3- هيئة قضائية وهي مجموعة المحاكم والقضاة الذين يقومون بتطبيق القانون والقول بوجود هذه الهيئات في الدولة لم يكن القصد منه ضرورة الفصل بينهما أو وضع قواعد التعامل والتعاون فيما بينها , وإنما كان عبارة عن وصف لواقع موجود ومعمول به , غير أن قيام الإمبراطورية الرومانية ومن بعدها العهد الإقطاعي في أوربا أدى إلى اندثار التمييز بين هيئات متعددة في الدولة , وتركزت السلطة كلها بيد قياصرة الإمبراطورية الرومانية وحكام الإقطاعيات والملكيات المطلقة بعد ذلك , ولغرض محاربة استبداد الملوك والقضاء على الحكم المطلق عاد الحديث في القرن السابع عشر عن تعدد الهيئات في الدولة وضرورة الفصل بينهما ,أي أن لا يعهد بكل السلطات إلى شخص واحد ( ) ويرجع مبدأ الفصل بين السلطات إلى فلسفة القرن الثامن عشر , حيث نجد صياغته في كتاب (مونتسكيو) عن روح القوانين sprit des lois باعتباره حجر الأساس في حماية حريات المواطنين في الدولة المعاصرة , ونقطة البدء عند (مونتسكيو) أن كل من يحوز سلطة يقوم به ميل إلى التعسف فيها والاستبداد بها , إلى أن تقوم في مواجهته سلطة أخرى تحده . وتفريعا" على ذلك فقد وجب في منطق (مونتسكيو) توزيع السلطات لكي تحول دون التحكم , ويجري هذا التوزيع في ضوء الوظائف القانونية للدولة بحيث تنشأ لكل منها هيئة عامة متخصصة , واحدة لوظيفة التشريع , وأخرى لوظيفة التنفيذ , وثالثة لوظيفة القضاء , ذلك أنه في ضوء هذا التوزيع تتوفر الحماية الحقيقية للمواطنين ( ) ولو ارتبطت السلطة القضائية بالسلطة التشريعية لتعرضت حياة الأفراد وحرياتهم للسيطرة الاستبدادية لان القاضي سيكون هو المشرع , ولو ارتبطت بالسلطة التنفيذية لسلك القاضي سلوكا" يتسم بالعنف والقسوة , ولا يقتصر مونتسكيو على حماية حقوق الأفراد من خلال سلطة قضائية مستقلة , بل يقدم أوضح الحجج لتأييد مفهوم ميثاق للحقوق , ويناقش عددا" من القيود التي يجب أن تفرض على صلاحية الحكومة في عقاب المواطنين كأفراد , على سبيل المثال فانه لا يجوز الحكم على شخص بالإعدام ما لم يشهد ضده شاهدان ولا يجوز عقاب شخص على معتقداته الدينية ما لم تعكر أعماله بطريقة مباشرة صفو الهدوء في الدولة ويتم الدفاع عن حرية الكلام على أساس أن الكلمات لا تشكل تصرفا" فعليا" صريحا" , بل تلك مجرد أفكار وحسب رأي مونتسكيو فانه يجب القبول بهذه القيود إذا أريد لحرية أفراد الرعية أن تكون مضمونة وتتطلب فصلا" للسلطات وسلطة قضائية مستقلة وذكرا" صريحا" لبعض الحقوق الفردية ( ) وهذه النظرية تعطي الاستقلالية والحرية للسلطة القضائية بما يتيح لها ممارسة دورها المهم في بناء دولة القانون وترسيخ مبادئ العدالة , كما يعطي للسلطة القضائية القدرة على الحركة وحرية الأداء والتطور ضمن دائرتها , علاوة على عدم تأثرها بالمواقف السياسية للسلطة التنفيذية دون أن تتقيد بمراقبة كلى السلطتين أو تدّخل أي منهما في عملها أو قراراتها , ولهذا تضمن ليس فقط قدرتها في التطبيقات القانونية السليمة للقوانين وليس فقط حسم القضايا وتطبيق العدالة والقانون بحياد وإنما تمكين المواطن من مقاضاة أي مركز من مراكز السلطتين التشريعية , أو التنفيذية , أمام القضاء في حالة الشعور بخرق الدستور أو العمل بما يخالف النصوص القانونية مما يدفعها للتطور والإبداع في عملية البحث والاستنتاج وإيجاد القواعد القانونية المتناسبة مع الظروف , ولهذا يعد استقلال القضاء من المقومات الأساسية لكي تساهم في تثبيت دعائم العدالة والقانون في رفع مستوى الأمة وتجسيد مفهوم الاستقلالية , ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاطمئنان على قضية الحقوق إلا بوجود قضاء مستقل ( ) وبالرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات أصبح قاعدة عامة خصوصا في البلدان الديمقراطية , التي تقر باستقلالية القضاء إلا إننا نجد أن التشريع العراقي لم يأخذ بهذا المبدأ واقر قانون إصلاح النظام القانوني في العراق على انتفاء تعدد السلطات , وحل محل هذا المبدأ ( وحدة السلطة السياسية) وقد جاء بهذا الخصوص (( ففي كل مجتمع توجد سلطة واحدة , ولكل دولة سلطتها السياسية الواحدة , والسلطة السياسية الواحدة تمارسها قيادة سياسية , تضع خطة أو سياسة اقتصادية واجتماعية , تتبلور في العديد من الاختيارات السياسية التي تأخذ صيغة التشريعات , وإذا كانت السلطة واحدة في الدولة فمعنى هذا انتفاء فكرة تعدد السلطات التشريعية , والتنفيذية , والقضائية )) ( ) وتفريعا" على ذلك سأتناول هذا المبحث في مطلبين: الأول الأساس الدولي لاستقلال القضاء وحق التقاضي , والثاني فكرة استقلال القضاء قي الإسلام المطلب الأول : الأساس الدولي لاستقلال القضاء وحق التقاضي لما كان مبدأ استقلال السلطة القضائية من المبادئ المهمة التي عالجتها الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية على السواء , لضمان حقوق وحريات الأفراد كحق التقاضي والمساواة أمام القضاء دون تمييز , والحق في محاكمة علنية عادلة أمام محكمة مستقلة ونزيهة مشّكلة وفقا" للقانون . وبما أن استقلال القضاء له صلة وثيقة بالحقوق المدنية للإنسان نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه (( لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون )) ( ) ونص أيضا (( لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة , نظرا" منصفا" وعلنيا" للفصل في حقوقه والتزاماته في أية تهمة جزائية توجه إليه )) ( ) وتوسعها المادة (14/1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه (( الناس جميعا" سواء أمام القضاء ومن حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون )) ( ) وفي ضوء مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي وضعت مبادئ لمساعدة الدول الأعضاء في مهمتها المتعلقة بضمان استقلال السلطة القضائية التي أكدت على أن تراعي الدول في إطار تشريعاتها هذه المبادئ حيث جاء النص (( تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص دستور البلد أو قوانينه , ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية )) ( ) كما أكدت هذه المبادئ على حق أعضاء السلطة القضائية بحرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع كونهم يمارسون حقا" من حقوق الإنسان (( يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائما لدى ممارسة حقوقهم مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء )) ( ) وفيما يتعلق باختيار القضاة لشغل الوظائف القضائية (( يتعين أن يكون من يقع عليهم الاختيار لشغل الوظائف القضائية أفرادا" من ذوي النزاهة والكفاءة وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون ويجب أن تشتمل أي طريقة لاختيار القضاة أن يتعرض أي شخص للتمييز على أساس العنصر أو الجنس أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء أو المنشأ القومي أو الاجتماعي , أو الملكية أو الميلاد أو المركز , على أن لا يعتبر من قبيل التمييز أن يشترط في المرشح لوظيفة قضائية أن يكون من رعايا البلد المعني )) ( ) وبخصوص شروط الخدمة القضائية ومدتها (( يضمن القانون بشكل مناسب تمضية المدة المقررة لتوليهم وظائفهم واستقلالهم وأمنهم وحصولهم على أجر ملائم , وشروط خدمتهم ومعاشهم التقليدي وسن التقاعد ))( ) وفيما يتعلق بحصانة القضاة (( ينبغي أن يتمتع القضاة بالحصانة الشخصية ضد أي دعاوى مدنية بالتعويض النقدي عما يصدر عنهم أثناء ممارسة مهامهم القضائية من أفعال غير سليمة أو تقصير وذلك دون إخلال بأي إجراء تأديبي أو بأي حق في الاستئناف أو في الحصول على تعويض من الدولة وفقا" للقانون الوطني ))( ) أما عن التهم الموجهة للقضاة (( ينظر في التهمة الموجهة أو الشكوى المرفوعة ضد قاض بصفته القضائية أو المهنية وذلك على نحو مستعجل وعادل وبموجب إجراءات ملائمة وللقاضي الحق في الحصول على محاكمة عادلة ويكون فحص الموضوع في مرحلته الأولى سريا" ما لم يطلب القاضي خلاف ذلك )) ( ) وبشأن إيقاف وعزل القضاة (( لا يكون القضاة عرضة للإيقاف أو العزل إلا لدواعي عدم القدرة أو دواعي السلوك التي تجعلهم غير لائقين لأداء مهامهم ))( ) كما وان الميثاق العربي لحقوق الإنسان عالج استقلال القضاء ونص على أنه ((جميع الأشخاص متساوون أمام القضاء وتضمن الدول الأطراف استقلال وحماية القضاة من أي تدخل أو ضغوط أو تهديدات كما تضمن حق التقاضي بدرجات لكل شخص خاضع لولايتها ))( ) وجاءت هذه النصوص كتعبير صادق عن الأماني والآمال التي تختلج نفوس الناس باعتبارها تشكل الضمانة الأولى للحياة الآمنة الحرة الكريمة باعتبارها مثالا" للجهود المضنية التي بذلتها الشعوب عبر التاريخ لانتزاع حقوقها من أيدي الطغاة وتوكيدها وتوطيد احترامها وكفالتها , وقد توالت دساتير العالم المتمدن في النص على مبدأ استقلال القضاء وإحاطته بمظاهر الاحترام والتقديس . إن استقلال القضاء لا يستمد وجوده من إعلانات حقوق الإنسان ولا من نصوص الدساتير فهو أسبق في الوجود من كل نص أو قانون إذ يستمد من مبادئ العدالة ذاتها التي تكره التحيز وتأبى الظلم , فهي حق أصيل للإنسان نشأ منذ الأزل فإذا نصت عليه أحكام الدستور أو القانون فإنما تؤكده وتصونه , وإذا لم تنص عليه فلا يجوز إهداره وإنكاره , ولذلك لا يجوز أن يرد عليه التقييد فإذا صدر تشريع يقيد هذا الاستقلال أو ينتقص منه كان هذا التشريع باطلا" ( ) المطلب الثاني : فكرة استقلال القضاء في الإسلام عرف العراقيون القدماء القانون والقضاء منذ آماد موغلة في القدم وأولوه عناية , وتنظيما" بما يتناسب والهدف الاجتماعي منه , وقد بذلوا جهدهم في تطويره وجعله في خدمة الحق والعدل , وقد حدث التغيير العظيم ببزوغ فجر الشريعة الإسلامية فمن المشهور إن أهم وأظهر سمة تتسم بها هذه الشريعة هو تحررها من الأمور غير المعقولة والشكليات غير المنطقية التي كانت سمت ما سبقتها من شرائع وضعية في مقدمتها القانون الروماني , علاوة على ذلك إسناد هذه الشريعة على قواعد العدل المطلق في كل مجال ومحاربة الظلم ومنع الضرر( ). وكان رسول الله (ص) أول قاضي في الإسلام إذ كان مأمورا" بالدعوى والفصل في الخصومات بين الناس , قال تعالى (( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ))( ) وقال تعالى (( فلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْت َ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ))( ) وقال تعالى ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ... )) ( ) ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية أرسل رسول الله (ص) ولاة إلى الآفاق وعهد إليهم القضاء فكان الوالي حاكما" وقاضيا" بنفس الوقت , ومن هؤلاء(عتاب بن أسيد) فقد ولاه النبي (ص) على أهل مكة بعد فتحها وقال له , يا عتاب أتدري على ما استعملتك ؟ (( استعملتك على أهل الله عزوجل ولو أعلم لهم خيرا" منك لاستعملته عليهم )) وبعث رسول الله (ص) عليا" (ع) إلى اليمن واليا" وقاضيا" ووضع بين بصيرته ما يعينه على أمره فقال له (( يا علي إذا قعد المتخاصمان بين يديك فلا تقض بينهما حتى تسمع من الأمر فانه أحرى أن يتبين لك القضاء ))( ) وحيث تدل الوقائع العديدة في الإسلام على دور القاضي العادل في تأدية وظيفته بصورة مستقلة , وعلى تطبيق القانون بالتساوي بين البشر لا فرق بين قوي وضعيف , غني وفقير , حاكم ومحكوم , لاعتبارات شرعية ودينية , وأخلاقية , بل أن العديد من العلماء والفقهاء كانوا يرفضون تولي منصب القضاء لخطورة هذا المنصب وأهميته في المجتمع لإيمانهم بوجود جزاء أخروي ودنيوي شديدين على من يخل بواجبات هذه الوظيفة , ومثال على ذلك أن المنصور العباسي قام بتعذيب الإمام أبو حنيفة وحبسه وجلده ثم دس إليه السم لأنه رفض تولي منصب القضاء , ويشترط في القاضي شروطا عديدة يجب توفرها والتحقق منها وهي شروط ليست سهلة لضمان استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤونه وإحقاق الحق بين الناس وهذه الشروط منصوص عليها في كتب الفقه والقوانين الوضعية ( ) وقد بين الفقهاء قيمة وأهمية القضاء في الشريعة الإسلامية , فهذا بن فرحون (*) يقول (( اعلم إن القضاء من أجل العلوم قدرا" وأعزها مكانا وأشرفها ذكرا" لأنه مقام علي ومنصب نبوي به الدماء تعصم وتسفح والابضاع تحرم وتنكح , والأموال يثبت ملكها أو يسلب , والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب )) وقد تولى رسول الله (ص) القضاء بنفسه وعهد به إلى كبار صحابته الكرام , لذلك نلاحظ اهتمام الخلفاء من بعده بالقضاة وتوجيههم الوجهة الصحيحة فهذا الخليفة عمر بن الخطاب (رض) يكتب كتابا" في القضاء إلى أبي موسى الأشعري حينما ولاه القضاء في البصرة (( القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة آس بين الناس في حكمك وفي وجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك))( ) ومن كتاب لأمير المؤمنين علي (ع) كتبه إلى مالك الاشتر ألنخعي لما ولاه على مصر الذي يصف فيه مواصفات القضاة (( ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك مما لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفئ إذا عرفه , ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرما" بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم , ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء , وأولئك قليل , ثم أكثر تعاهد قضائه , وأفسح له البذل ما يزيل علته ولا تقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظرا" بليغا" ))( ). ولهذا السبب اهتمت الأمم بتشريف القضاء ضمانا" لحرمة الحقوق , ولكي يبتعد القضاة عما يدخل الريبة في أحكامهم أو الشبهة في انحرافها عن طريق العدل , وهذا الاهتمام بالقضاء وفصله الذي تمنعه منزلته العالية من أن تتأثر قراراته بغايات شخصية , فالضمانات التي أحيط بها القاضي لم تكن عبثا" أو ترفا" أو الترفيه عن شخص القاضي بهدف الترفيه المجرد , بل تلك الضمانات التي أحيط بها عمل القاضي إنما هي لضمان صفاء ذهنه وإخلاصه , وهي المانع الذي يحول بينه وبين الجور والتعسف ( ) والاستقلال أمر بالغ الأهمية فهو أمان للقاضي وأمان منه , أما أمان القاضي وطمأنينته فبه يأمن القاضي على مصالحه كافة , فلا يخاف عزلا" ولا تدخلا" في شئونه الوظيفية أو الخاصة , وأمان من القاضي أو انحراف القاضي لأنه يأمن الناس منه , فتحرر القاضي من عقد التأثير يجعله أقرب إلى الحق والعدل , وهذا يبعث الاطمئنان في نفوس المتقاضين الذين يلجئون إليه , ولهذا لا يجوز للقاضي أن يقبل تولي منصب القضاء أو الاستمرار فيه إذا تيقن انه لا يستطيع الحكم بالحق أو لوجود سلطان جائر يحول بينه وبين ذلك , أو لوجود قوة رسمية أو شعبية تجبره على الحكم بغير الحق أو لوجود ضعف في نفسه يضطره نحو الميل إلى حبيب أو قريب , أو الحيف على عدو ( ) ومن الجدير بالذكر لم يكن القضاء في الإسلام سلطة مستقلة بالمعنى المتعارف عليه اليوم , ذلك إن الدولة الإسلامية لم تعرف مبدأ الفصل بين السلطات الذي ظهر عقب الثورة الفرنسية , والذي يقضي بعدم تركيز السلطات في يد هيئة واحدة وتقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث وظائف تشريعية وتنفيذية وقضائية , تناط كل واحدة منها بهيئة مستقلة عن الأخرى , فقد بدأت السلطات الثلاث مركزة بيد الرسول (ص) وعند اتساع الحكم الإسلامي وفتح الأمصار وكثرة أعمال الولاة وظهور كثير من المسائل والخلافات التي تتطلب التخصص لحلها انفصل عمل القضاة عن عمل الولاة مع بقاء السلطة القضائية من الناحية العضوية مندمجة في السلطة التنفيذية , وقد استمر هذا التنظيم طوال عهود الدولة الإسلامية , ولذلك نجد أن فقهاء الشريعة الإسلامية لم يعتبروا الوظيفة القضائية مستقلة عن الوظيفة التنفيذية , وان كان ذلك لا يعني إن القاضي لم يكن مستقلا" في حكمه وفي ممارسة اختصاصاته وسنرى إن هذا الاستقلال كان موفورا" إلى درجة كبيرة وان كثيرا من القضاة المسلمين كانوا يصدرون الأحكام ضد الخلفاء والولاة مما لا نجد له مثيلا" اليوم في كثير من الأنظمة المعاصرة ( ) وقد أردفنا التاريخ الإسلامي الكثير من الشواهد التي تؤكد مثول الخلفاء أمام القضاة , ففي عهد الخلافة الراشدة امتثل (الإمام علي) (ع ) لحكم القاضي شريح وحضر الجلسة وحكم ضده في قضية الدرع المشهورة لصالح اليهودي كما اختصم عبد الملك بن مروان إلى القاضي( جبير بن نعيم) ضد ابن عمه , وعند حضور المجلس قعد على فراش القاضي فأمره القاضي بالقيام مع ابن عمه فغضب وقام من مجلس القضاء ... هذا وقد بلغ استقلال القضاة المسلمين ذروته حتى وصل إلى حرصهم على إبعاد تأثير أقربائهم وزوجاتهم , فلما تولى توبة بن نمر الحضرمي القضاء في مصر عام (115 هجرية) , دعا امرأته عفيرة وقال لها: أيا أم محمد أي صاحب كنت لك , قالت خير صاحب وأكرمه , فقال اسمعي لا تعرضين لي في القضاء ولا تذكريني بخصم ولا تسأليني عن حكومة فان فعلت شيئا من هذا القبيل فأنت طالق ( ) وعلى هذا الأساس كان للقضاء في الإسلام هيبته وجلاله , فولاية القضاء تلي في الأهمية ولاية الأمة , ومنصب القاضي يلي في المكانة والخطورة منصب الخليفة فقد جعلته الشريعة نائبا" عن الخليفة يستمد ولايته منه بصفته ممثلا للمسلمين ومن هنا اكتسب القاضي في الإسلام مركزا" كبيرا" وكانت كفاءة القاضي وعلمه وإيمانه بالعدالة وإصراره على تطبيق أحكام الشريعة على الجميع حتى على الخلفاء والولاة ( ) ويستبان مما تقدم حرص الإسلام على استقلال القضاء منذ أربعة عشر قرنا" وبذلك يسبق الفقهاء الاوربين بالتفكير به بزمن سحيق كما يقوم نظام استقلال القضاء في الإسلام على ما يفرضه من نزاهة وعدالة الحاكم التي تغيب معها احتمالات التدخل في عمل القضاء , فان حدث وتدخل اعتزل القاضي القضاء , بينما نلمس تدخل الحكومات المعاصرة في سلطة القضاء كأنه واقع حال لا يثير وضعا" قلقا" أو حرجا" في دولة القانون وبتنظيم بعض الدساتير ذلك التدخل . المبحث الثاني: استقلال القضاء وأثرة في الرقابة الدستورية إذا كنا بصدد البحث عن الرقابة على دستورية القوانين يجب أن نسلم بحقيقة أن الرقابة الدستورية لا تكن منتجة ما لم تؤيد بمبدأ استقلالية السلطة القضائية , كون العلاقة وثيقة بينهما , فإذا لم تكن هناك سلطة قضائية مستقلة تفرض رقابة قضائية على دستورية القوانين أمكن للأداة التشريعية الأدنى أن تخرج على ما ترسمه الأداة الأعلى , وفي هذه الحالة نكون أمام انتهاك لسيادة القانون ومبدأ تدرج التشريع , مما ينعكس سلبا" على حقوق وحريات المواطنين , فإذا لم يكن القضاء مستقلا" فانه لن يستطيع أن يمارس سلطته في الرقابة سواء على تصرفات السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية , بشكل فعّال وبالتالي فانه لن يستطيع حماية مسار الحقوق والحريات الفردية في المجتمع , فهذه الحقوق والحريات تغدو لا قيمة لها دون وجود قضاء مستقل يعطيها معانيها المحددة في ضوء النصوص القانونية ومقاصد صائغيها , فالنصوص وحدها لا تكفي لحراسة حقوق المواطنين وحرياتهم , فهذه النصوص تتهاوى أمام قوى البطش والإرهاب التي يمكنها أن تطال بأقدامها عندما تتعارض مع مصالحها , فإذا افتقد الإنسان القضاء المستقل سيطر الظلم والاستبداد , ومن خلال هذا المبحث أتناول تقسيمه إلى مطلبين: الأول , ضمانة استقلال السلطة القضائية في الدساتير المقارنة , والثاني استقلال القضاء في العراق. المطلب الأول : ضمانة استقلال السلطة القضائية في الدساتير المقارنة لما كان الدستور هو الوثيقة التي تتضمن مجموعة القواعد أو المبادئ أو الأسس العليا التي يقوم عليها المجتمع لذا فان مبدأ استقلال القضاء يأتي في إطار القيم العليا للمجتمع , ويقوم مبدأ استقلال القضاء على أساس أنه لكي تتحقق المساواة ويضمن العدل في الحكم القضائي يستلزم في عملية اتخاذ القرار القضائي من خلال تطبيق القانون , ولهذا يعني أن القاضي يحكم فيما يعرض أمامه من وقائع طبقا لإدراكه للحقائق ولفهمه للقانون بعيدا" عن أي تأثير آخر بالترغيب أو بالضغوط المباشرة وغير المباشرة من أية جهة ولأي قصد ( ) ويميز المفكرين القانونيين بين استقلال السلطة القضائية وبين استقلال القاضي فاستقلال السلطة القضائية يعني تحررها من تعسف السلطتين التنفيذية أو التشريعية , أما استقلال القاضي فهو تحرره من التأثيرات مهما كان مصدرها وهو يعني كذلك تجرد القاضي ونزاهته وعدم انصياعه لأي تأثير سوى العدالة المستمدة من نصوص القانون وضميره ( ) إن الحماية الدستورية لاستقلال القضاء تعني صياغة مبدأ استقلال القضاء في نصوص دستورية ترتفع بها إلى مستوى الإلزام القانوني وتحميها من الاعتداء والإنكار. وقد أخذت الدساتير بإفراد عدد من نصوصها لاستقلال القضاء ووضع الضمانات التي تكفل المحافظة عليها واحترام وعدم المساس به من أية سلطة أو جهة( ) ومن الدساتير التي عالجت استقلال القضاء , الدستور السوري لعام (1973) , إذ نص في (م 133/1) (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون )) والدستور الكويتي لعام في المادة (163) من الدستور الكويتي لعام (1961) نص على أنه (( لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة ويكفل القانون استقلال القضاء ويبين ضمانات القضاة والأحكام الخاصة بهم وأحوال قابليتهم )) والدستور الأردني لعام (1952) نص في المادة (97) من الدستور الأردني على أن (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون )) وقد عالج الدستور المصري لعام (1971) , استقلال القضاء في الفصل الرابع منه في المادة (166) تحت عنوان السلطة القضائية إذ جاء فيه (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء وشئون العدالة)) والدستور السوداني لعام (1998) في المادة (99) , عالج استقلال القضاء ونص على أن (( ولاية القضاء في جمهورية السودان لهيئة مستقلة تسمى الهيئة القضائية تتولى سلطة القضاء فصلا" في الخصومات وحكما" فيها وفق الدستور والقانون)). وكذلك دستور اليابان لعام (1963) , بنصه في المادة( 76 )على أن (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير ضمائرهم ولا يلتزمون في قضائهم إلا لأحكام الدستور والقانون)) والدستور التركي لعام (1961) , نص في المادة (132 )على أن (( القضاة مستقلون في مباشرة وظائفهم ويصدرون الأحكام طبقا" للدستور والقانون والحق وضمائرهم ولا يجوز لأية هيئة أو سلطة أو شخص أن يعطي للمحاكم أو القضاة أو أمر أو تعليمات أو أن يرسل إليهم منشورات أو توصيات أو اقتراحات تتعلق بقيامهم بأعباء السلطة القضائية )) المطلب الثاني استقلال القضاء في العراق وقد عالجت الدساتير العراقية مبدأ استقلالية السلطة القضائية بنصوص صريحة , جاء في القانون الأساسي العراقي لعام (1925) في المادة (17) (( المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها )) ( ) كما إن الباب الخامس من القانون الأساسي الخاص بالسلطة القضائية, قسّم المحاكم إلى ثلاث أصناف , المحاكم المدنية , والمحاكم الدينية , والمحاكم الخصوصية , كما جاء في المادة (69) منه (*) وجعل لكل من هذه المحاكم اختصاصاتها المنوطة بها, أما بالنسبة إلى المحاكم المدنية فلها حق القضاء على جميع الأشخاص في العراق في كل الدعاوى والأمور المدنية والجزائية والتي تقيمها الحكومة العراقية , أو التي تقام عليها عدا الدعاوى والأمور الداخلة في اختصاص المحاكم المدنية , أو المحاكم المخصوصة ويشمل اختصاص المحاكم المدنية , الأمور الحقوقية والتجارية والجزائية , وفقا" للقوانين المرعية , إلا انه في مواد الأحوال الشخصية الخاصة بالأجانب , وفي غير ذلك من المواد المدنية أو التجارية التي جرت العادة الدولية على أن يطبق عليها أحكام قانون دولة أجنبية يكون تطبيق القانون المذكور على طريقة تعيّن بقانون خاص ( ) وقسّم القانون الأساسي المحاكم الدينية, إلى المحاكم الشرعية, والمجالس الروحانية الطائفية, وجعل اختصاص المحاكم الشرعية بالنظر وحدها في الدعاوى المتعلقة بأحوال المسلمين الشخصية والدعاوى المختصة بإدارة أوقافهم ( ) ويجري القضاء في المحاكم الشرعية وفقا" للأحكام الشرعية الخاصة بكل مذهب من المذاهب الإسلامية بموجب أحكام قانون خاص , ويكون قاضي من مذهب أكثرية السكان في المحل الذي يعين له مع بقاء القاضين السنيين والجعفريين في مدينتي بغداد والبصرة (*) أما المجالس الروحانية الطائفية فقد قسّم القانون الأساسي المجالس الروحانية إلى المجالس الروحانية الموسوية , والمجالس الروحانية المسيحية ( ) وتؤسس تلك المجالس وتخول سلطة القضاء بقانون خاص ... وتنظر المجالس الروحانية في المواد المتعلقة بالنكاح والصداق من كاتب العدل في الأمور الداخلة ضمن اختصاص المحاكم المدنية فيما يخص أفراد الطائفة في غير ذلك من مواد الأحوال الشخصية المتعلقة بأفراد الطوائف عند موافقة المتقاضين... وتعين أصول المحاكمات في المجالس الروحانية الطائفية والرسوم التي تؤخذ فيها بقانون خاص, وتعين أيضا بقانون الوراثة وحرية الوصية وغير ذلك من مواد الأحوال الشخصية التي ليست من اختصاص المجالس الروحانية الطائفية ( ) وفيما يتعلق بشروط تعين القضاة ودرجاتهم وكيفية عزلهم نص القانون الأساسي على أن تعين الحكام بإرادة ملكية ولا يعزلون إلا في الأحوال المصرحة في القانون المخصوص المبينة فيه شروط أهليتهم ونصبهم ودرجاتهم وكيفية عزلهم( ) ودستور الجمهورية الأول لعام (1958) نص في( م 23) على استقلال القضاة والقضاء على السواء حيث جاء فيه (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون , ولا يجوز لأية سلطة أو فرد التدخل في استقلال القضاء أو في شؤون العدالة)). كما وانه جعل جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام والآداب العامة ( م 24) والدستور المؤقت لعام 1963 , لم يغفل هذا الأمر بخصوص استقلال السلطة القضائية مؤكدا على أن (( الحكام والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في استقلال القضاء أو في شؤون العدالة وتنظم السلطة القضائية بقانون )) (م 85) وأحال إلى القانون على أن يرتب أقسام درجات المحاكم ويعين اختصاصاتها ( ) كما ونص في المادة 89 منه على أن الحكام والقضاة غير قابلين للعزل (*) وأسند الدستور للقانون بوضع شروط تعيين الحكام والقضاة ونقلهم وانضباطهم وترك له تنظيم وظيفة الادعاء العام ونوابه واختصاصاته كما ونص على أن يشكل مجلس الدولة بقانون ويختص بالقضاء الإداري وصياغة القوانين والأنظمة وتدقيقها وتفسيرها ( ) ودستور 29 نيسان لعام 1964 , ذكر استقلال القضاء بنصه (( الحكام والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في استقلال القضاء أو في شؤون العدالة ...)) ( ) وأحال إلى القانون تنظيم وظيفة الادعاء العام ونوابه واختصاصاته ويكون تعيين رئيس الادعاء العام ونوابه وانضباطهم وعزلهم وفقا للقانون ( ) أما دستور عام 1968 المؤقت نص على استقلال القضاء وذكر الحكام والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في استقلال القضاء أو في شؤون العدالة ... ( ) وأكد على أن الحكام والقضاة غير قابلين للعزل ... (م 83) وأسند إلى القانون بوضع شروط تعيين الحكام والقضاة ونقلهم وانضباطهم (م84) وأحال إلى القانون أيضا تنظيم وظيفة الادعاء العام ونوابه واختصاصاته ( م 85) ويكون تعيين رئيس الادعاء العام ونوابه وانضباطهم وعزلهم وفقا للقانون (م86) ودستور عام 1970 المؤقت أكد على استقلال القضاء وطريقة تشكيل المحاكم ودرجاتها وشروط تعيين الحكام والقضاة ونقلهم ونص على أن (( القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون )) وكفل حق التقاضي للعراقيين بنصه (( حق التقاضي مكفول لجميع العراقيين , ويحدد القانون طريقة تشكيل المحاكم ودرجاتها واختصاصاتها وشروط تعيين الحكام والقضاة ونقلهم وترفيعهم وإحالتهم على التقاعد ))( ) وأسند إلى القانون تحديد وظائف الادعاء العام وأجهزته وشروط تعيين المدعين العامين ونوابهم وأصول نقلهم وترفيعهم ومقاضاتهم وإحالتهم على التقاعد (م64) ومنح دستور عام 1970 المؤقت لرئيس الجمهورية الإشراف على حسن تطبيق الدستور والقوانين والقرارات وأحكام القضاء ... ( ) ومشروع دستور جمهورية العراق لعام (1990) , الذي لم يكتب له التطبيق نص على استقلال القضاء حيث جاء فيه (( لا سلطان على القضاء لغير القانون , ويحضر التدخل في شؤون العدالة , ويتمتع القضاة بحرية اتخاذ القرار بما يمكنهم من أداء واجباتهم القضائية على الوجه الأكمل )) ( ) كما وان لرئيس الجمهورية دور في ممارسة القضاء بنصه (( يضمن رئيس الجمهورية ممارسة القضاء ومسؤولياته تطبيقا للقانون وتحقيقا للعدالة )) ( ) وفي هذا النص نجد أن تدخل رئيس الجمهورية دليل على أن السلطة القضائية لم تكن مستقلة وهذا التدخل يضعف من أداء السلطة القضائية ويجعلها خاضعة للسلطة التنفيذية , والتدخل في الأحكام التي تصدرها المحاكم على اختلاف درجاتها , ولا يمكن أن نقول على أن القضاء مستقل سواء في دستور (1970) , أو في مشروع دستور جمهورية العراق لعام (1990) , ولكن الذي يميز مشروع دستور (1990) , انه أفرد فصلا" للقضاء والادعاء العام ومنح الادعاء العام أهمية بنصه (( ينوب الادعاء العام عن المجتمع في الدفاع عن العدالة وحماية المشروعية والنظام العام وامن الدولة وأموالها وحماية الأسرة والأفراد وحرياتهم )) ( ) وكان ذلك للمرة الأولى دستوريا" ينص في عنوان الفصل على الادعاء العام كجهاز مستقل عن القضاء... وهكذا نجد أن المشرع قد أخذ يولي الادعاء العام اهتمامه انطلاقا" من دور الادعاء العام في المجتمع كجهاز لحماية المشروعية وإزالة الانتهاكات ومراقبة التطبيق العادل والسليم للقانون من قبل الجميع وهذا يؤكد اهتمام الدولة بهذا الجهاز ورغبتها الأكيدة في تنظيمه على أسس رصينة لضمان قيامه بواجباته ومهامه بالشكل الأكمل بصفة أن طبيعة القانون تتطلب وجود جهاز يتولى تطبيق القانون إضافة لجهاز آخر يمارس الرقابة الفعالة على ضمان تنفيذ تلك القوانين وتطبيقها بشكل سليم وعادل وموحد وهذا الجهاز هو جهاز الادعاء العام , أما الجهاز الأول الذي يمارس تطبيق القوانين فهو الجهاز القضائي ( ) وتوضح دور الادعاء العام أكثر عندما أعيد تشكيل مجلس القضاء الأعلى بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (35 لسنة 2003) الذي أصبح الادعاء العام من ضمن تشكيلات مجلس القضاء الذي لا يخضع لأي سيطرة أو رقابة أو إشراف من وزارة العدل , وخلال فترة تشكيل مجلس الحكم صدر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية عام (2004) مؤكدا على استقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات ونص على أن (( القضاء مستقل ولا يدار بأي شكل من الأشكال من السلطة التنفيذية وبضمنها وزارة العدل , ويتمتع القضاة بالصلاحية التامة حصرا" لتقرير براءة المتهم أو إدانته وفقا للقانون من دون تدخل السلطتين التشريعية أو التنفيذية )) ( ) وعلى غرار ذلك جاء دستور العراق لعام (2005) معالجا" استقلال السلطة القضائية ومتبنيا" مبدأ الفصل بين السلطات وعدم عزلهم إلا في حدود القانون الذي ينظم مسائلتهم تأديبيا ونص على أن (( القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون)) ( ) ومؤكدا على استقلال السلطة القضائية ونص على أن (( السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها, وتصدر أحكامها وفقا للقانون))( ) أما فيما يخص القضاة فانه نص على أن (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون , ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة ))( ) وهذه خطوة محمودة سلكها المشرع الدستوري انطلاقا" من مبدأ الفصل بين السلطات الذي اعتبر القضاء سلطة وليس مرفق , كما أبعد القضاة من العزل والتدخل في شؤونهم من أية سلطة أو جهة سواء كانت سلطة سياسية أو حزبية أو اجتماعية , وترك ذلك التدخل للقانون فقط في مسائلتهم وعزلهم كما نص على ذلك (( القضاة غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون كما يحدد القانون الأحكام الخاصة بهم وينظم مسائلتهم تأديبيا ))( ) أما عن السلطة القضائية فإنها (( تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى , والمحكمة الاتحادية العليا , ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام , وهيئة الإشراف القضائي , والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقا للقانون )) ( ) ولكن نجده في موضع آخر يضيّق من هذه الاستقلالية في المادة(61/خامسا/أ )ويحيل تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية , ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب بناء على اقتراح من مجلس القضاء الأعلى , ونجد إن هذه الطريقة بالتعيين سوف تخضع للولاءات السياسية في مجلس النواب خصوصا إذا ما علمنا إن المحاصصة السياسية تلعب دورا" تحت قبة البرلمان وعليه نرى إذا ما أريد للسلطة القضائية أن تكون مستقلة وتخرج من دائرة الصراعات السياسية ضرورة إلغاء هذا البند وعدم إقحام القضاء في السياسة . الفرع الأول : وضع السلطة القضائية في قانون التنظيم القضائي الأصل في التشريعات الحديثة ومنها التشريع العراقي إن رجال القضاء لا يسألون عن الأخطاء التي يقعون فيها وهم يقومون بأداء واجباتهم الوظيفية , وليس للمتضرر إلا أن يطعن بالعمل القضائي الصادر بالطرق المقررة قانونا", فالقاضي حر في تكوين قناعته وفي فهمه للقانون وعلى نحو معين حتى لو خالف في قناعته إجماع شراح القانون أو رأي رؤسائه وهو يخضع للقانون فقط , لا سلطان عليه لغيره لأنه رائدة ودليله... والمراد بهذا أن يحكم القاضي بحرية وإرادة تامة مستقلة خالية من الضغوط والتأثيرات من أي جهة وتأكيدا" لهذا الاستقلال منع قانون التنظيم القضائي نقل القاضي إلى وظيفة غير قضائية إلا بموافقته التحريرية كما إن الإجراءات التأديبية المتعلقة بالقاضي تتخذها لجنة أو محكمة مختصة بشؤون القضاة , ويخضع قرارها للطعن فيه أمام هيئة قضائية مختصة ضمن تشكيلات محكمة التمييز ( ) وعلى الرغم من إن قانون التنظيم القضائي أكد في نصوصه على استقلال القضاء ومؤكدا على أن (( القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون ))( ) إلا انه استقلال من منظور السلطة السياسية آنذاك التي لا تؤمن بمبدأ الفصل بين السلطات في الدولة , وتسعى إلى تغييب المؤسسات والكيانات في المجتمع وتجعل القضاء مرفقا" من مرافق السلطة الواحدة القابضة على الحكم . وخلال الفترة الممتدة ما بين إلغاء مجلس القضاء عام( 1977) وإعادة تشكيله في ( 18/9/2003) بعد سقوط نظام الحكم السابق في (9/4/2003) كانت معانات القضاة في أداء مهامهم كبيرة فهي تدور ما بين النقل غير المبرر والإحالة على وظيفة مدنية , والعزل والحرمان من ممارسة مهنة المحاماة وتصل أحيانا" إلى السجن وسد المنافذ على الطاقات القضائية المؤهلة للحيلولة دون وصولها إلى المناصب القضائية العليا لأنها لا تحمل هوية النظام وانتماءاته , وفتح الباب واسعا" أمام العناصر غير المؤهلة للدخول إلى سلك القضاء , وتبوأ المناصب المهمة لأنها تحمل هوية النظام وأفكاره وانتماءاته ( ) الفرع الثاني: إلغاء مجلس القضاء الأعلى إن إلغاء مجلس القضاء وإناطة شؤون القضاة وأعضاء الادعاء العام بمجلس العدل بموجب قانون وزارة العدل رقم (101 لسنة 1977 ), شكل انعطافة خطيرة وحادة في تاريخ القضاء العراقي ورجعة قاسية عن مبدأ استقلال القضاء , فمجلس العدل يرأسه وزير العدل , والوزير مهما سمي هو جزء من السلطة التنفيذية , ينفذ سياستها ويحرص على رعاية مصالحها وان تعارضت هذه المصالح مع حقوق أفراد المجتمع وهو ما أثبته الواقع العملي بشأن بعض الدعاوى التي تخص الحكومة حيث كان التوجيه من مجلس العدل تصريحا" أو تلميحا" وهو وجوب مراعاة مصلحة الحكومة , وفي ذلك إخلال بحياد القضاء والتأثير على ضمانات القاضي في النقل والترقية , ونيل المناصب حيث أصبح ذلك بموجب قانون التنظيم القضائي من صلاحية مجلس العدل. ( ) والقاضي في كل ذلك يعد موظفا عاما ويلتزم بإطاعة رؤسائه في كل ما يعتبر عملا" داخلا" ضمن هذا الجانب من وظيفته . الفرع الثالث : إعادة مجلس القضاء الأعلى بعد أن حصل التغيير في النظام السياسي بسبب احتلال قوات التحالف للعراق في (9/4/2003) وأصبحت القوات المحتلة تدير شئون الدولة العراقية التي انهارت جميع مؤسساتها الدستورية , ولغرض إعادة تلك المؤسسات وسلطاتها بصورة تختلف عما كانت عليه قبل الاحتلال , من وحدة السلطة السياسية وتركيزها وعدم الفصل بين السلطات , ولأهمية وجود سلطة قضائية في الدولة ودورها المهم في المجتمع كونها تمثل العدالة , لا يمكن الاستغناء عنها , ولضرورة استقلالية السلطة القضائية في العراق صدر أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (35 في 13 أيلول 2003 ) بإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى , وحتى يكون مجلس القضاء مستقل صدر هذا الأمر في ستة أقسام أهمها ما جاء في القسم الأول الذي نص ((يعيد هذا الأمر تشكيل مجلس القضاء ( المجلس) مكلف بالإشراف على نظامي القضاء والنيابة في العراق يؤدي المجلس وظائفه بشكل مستقل عن وزارة العدل))( ) أما عن العضوية فقد جاء في القسم الثاني مايلي: 1- يقدم المسئولون الذين يشغلون المناصب التالية خدماتهم للمجلس بصفتهم أعضاء فيه رئيس قضاة المحكمة العليا ( رئيس المجلس ) نواب رئيس قضاة المحكمة العليا , المدير العام لجمعية مجلس الدولة , المدير العام لمكتب الإشراف القانوني , المدير العام للإدارة إذا كان من يشغل هذا المنصب قاضيا أو وكيل نيابة رؤساء محاكم الاستئناف . 2- أن يكون للمجلس أمين عام يختاره رئيس المجلس , ويؤدي الأمين العام وظائف إدارية للمجلس يضطلع بها هو بالإضافة إلى الموظفين الإضافيين الذين يوافق عليهم كل من المجلس ووزارة المالية. 3- يكون رئيس المحكمة العليا رئيس المجلس باختيار نائب رئيس المجلس من بين نواب رئيس المحكمة ( ) أما واجبات مجلس القضاء كما جاء في القسم الثالث مايلي : تتكون للمجلس الواجبات التالية : 1- توفير الرقابة الإدارية على جميع القضاة وجميع وكلاء النيابة باستثناء أعضاء المحكمة. 2- التحقق من الادعاءات الخاصة بسوء السلوك والعجز المهني الواردة بحق أعضاء سلك القضاة والنيابة العامة , وكلما كان ذلك مناسبا" يتم اتخاذ الإجراءات التأديبية أو الإدارية المناسبة بحقهم . 3- ترشيح أشخاص أكفاء كلما لزم الأمر لشغل المناصب القضائية الشاغرة أو مناصب النيابة العامة الشاغرة والتوجيه بتعينهم. 4- ترقية القضاة ووكلاء النيابة العامة وترفيعهم وتحديث مهاراتهم ونقلهم . 5- تعيين أو إعادة تعيين القضاة ووكلاء النيابة العامة لشغل مناصب محددة في الجهاز القضائي وفي النيابة العامة كما ينص على ذلك قانون التنظيم القضائي, القانون رقم (160 لعام 1979 ), وقانون الادعاء العام , القانون رقم( 159) لعام (1979) . 6- يضطلع المجلس بمسؤوليات أخرى قد يحددها له القانون من وقت لآخر( ) وبخصوص اجتماعات المجلس ورد في القسم الرابع من الأمر يعقد المجلس اجتماعات منظمّة لا يقل عددها عن اجتماع واحد في الشهر ويجوز لرئيس المجلس عند الضرورة أن يدعو المجلس لعقد جلسات خاصة من أجل القيام بأعمال ضرورية ( ) أما عن التأديب جاء في القسم الخامس بخصوص لجنة التأديب والمعايير المهنية مايلي: 1- يقوم المجلس بتعيين أعضاء لجنة التأديب والمعايير المهنية . 2- يجوز لأي قاض أو وكيل نيابة أصدرت اللجنة قرارا" ضده الطعن في هذا القرار أمام المجلس خلال ثلاثين يوما"( ). والاستقلالية التي يتمتع بها مجلس القضاء الأعلى التي ذكرها القسم السادس من الأمر مايلي: 1- يقوم المجلس بتأدية واجباته والاضطلاع بمسؤولياته من دون أن يخضع لأي سيطرة أو رقابة أو إشراف من وزارة العدل . 2- يحل مجلس القضاء محل مجلس العدل الذي جرى تشكيله بموجب قانون التنظيم القضائي ( القانون رقم 160 لعام 1979 ) ويتولى ممارسة السلطات التي كان مجلس العدل يمارسها( ) أما عن مجلس القضاء في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004, الذي ورد فيه (( يتم إنشاء مجلس أعلى للقضاء ويتولى دور مجلس القضاة ويشرف المجلس الأعلى للقضاء على القضاء الاتحادي ويدير ميزانية المجلس , يتشكل هذا المجلس من رئيس المحكمة الاتحادية العليا , ورئيس ونواب محكمة التمييز الاتحادية ورؤساء محاكم الاستئناف الاتحادية , ورئيس محكمة إقليمية للتمييز ونائبيه , يترأس رئيس المحكمة الاتحادية العليا المجلس الأعلى للقضاء وفي حالة غيابه يترأس المجلس رئيس محكمة التمييز الاتحادية )) ( ) والمهام التي يمارسها مجلس القضاء الأعلى وفقا" لما جاء في دستور العراق لعام (2005 ) مايلي: أولا": إدارة شؤون القضاة والإشراف على القضاء الاتحادي . ثانيا": ترشيح رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية , ورئيس الادعاء العام , ورئيس هيئة الإشراف القضائي وعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعينهم ثالثا: اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليها ( ) وأود أن أشير هنا إلى أن موضوع استقلال السلطة القضائية الذي ورد في أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (35 لسنة 2003) وفي قانون إدارة الدولة , ودستور العراق لعام (2005) بشأن إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى قد طال استقلال القضاء العادي حسب, وجعل القضاء الإداري تابعا" للسلطة التنفيذية , وكان على المشرع أن يفك ارتباط محكمة القضاء الإداري من مجلس شورى الدولة ويجعلها من ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى , لكي يتأكد موضوع استقلال القضاء بشكل عام ولا يكون مقتصرا" على القضاء العادي فقط , خاصة وان قرارات محكمة القضاء الإداري تخضع للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا. وكان على المشرع أن يعالج قضية ربط المعهد القضائي بمجلس القضاء الأعلى وفصله عن وزارة العدل , وإذا أردنا أن نبني قضاء" سليما" ومعافى أن يكون هذا المعهد من ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى لكي يخرج عن تحكم السلطة التنفيذية التي يمكن أن تلجأ إلى إدخال عناصر على أسس المحاصصة الحزبية والسياسية والطائفية دون مراعاة الكفاءة في الاختيار ولهذا نرى أن يرتبط المعهد القضائي بمجلس القضاء الأعلى ليتولى اختيار المرشحين على أسس الكفاءة والمهنية . الفصل الثالث الرقابة على دستورية القوانين في العراق في هذا الفصل نتناول وفي مبحثين الرقابة على دستورية القوانين في العراق من تأسيس الدولة العراقية وحتى الوقت الحاضر. المبحث الأول : الرقابة الدستورية في العراق من عام 1925- 2003 تلعب الرقابة على دستورية القوانين دورا" مزدوجا" في دولة القانون , فهي عنصر داخل في تكوينها من جهة وضمانة فاعلة لسيادة القانون ومنع انتهاكه من جهة أخرى , فالقضاء بوصفه الجهة المحايدة من بين السلطات الثلاثة لعدم تأثره بأي اعتبار سياسي وعدم استجابته لأي تأثير شخصي ينبغي أن يبسط رقابته على عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية , فله أن يبسط رقابته على أعمال السلطة التشريعية للتأكد من مدى موافقته التشريعات الصادرة عنها لمضمون الدستور , فإذا خالفت أحكامه جاز له أن يلغيها أو يمتنع عن تطبيقها وبذلك يكون الحامي الأمين للدستور شكلا" وموضوعا" , لذلك نجد الكثير من الدساتير تجنح إلى النص في صلبها على تنظيم هذا الموضوع .( ) وعلى هذا الأساس نجد أن بعض الدساتير العراقية نصت على إنشاء محاكم مهمتها مراقبة دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور , كما هو الحال في القانون الأساسي لعام (1925), ودستور عام (1968) , إلا أن الدساتير العراقية الأخرى منذ دستور( 1958) , إلى مشروع دستور عام (1990) , لم تنص على إنشاء محكمة للنظر في دستورية القوانين. وقد اسند المشرع الدستوري إلى القضاء مهمة الرقابة في التجربتين المذكورتين اعترافا" بحق السلطة القضائية في أداء هذه المهمة وتوافق ذلك مع المبادئ العامة والعرف الدستوري , كما إن مبدأ استقلال القضاء عامل مهم في إسناد هذا الحق للقضاء في تقرير الرقابة الدستورية , ولإبراز العلاقة بين مبدأ استقلالية السلطة القضائية والرقابة على دستورية القوانين في الدساتير العراقية ارتأينا البحث في الرقابة على دستورية القوانين في الدساتير العراقية من القانون الأساسي (1925) إلى عام (2003) في مطلبين : الأول الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام (1925), والثاني الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة. المطلب الأول : الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام 1925 إن الحاجة إلى وجود جهة قضائية تأخذ على عاتقها النظر في موضوع دستورية القوانين أمر بالغ الأهمية لما يتمتع به القضاء من استقلال وحياد بعيد عن هوى وآراء السياسيين , لذا عمدت معظم دساتير الدول إلى تشكيل محاكم دستورية واختارت لها أفضل القضاة علما وسلوكا لكي يفصلوا في موضوع دستورية القوانين , لكون القضاء هو الجهة المؤهلة مهنيا" للفصل في موضوع الرقابة الدستورية , وعلى هذا الأساس تبنى القانون الأساسي لعام (1925) , الرقابة على دستورية القوانين من خلال إنشاء محكمة أسماها ( المحكمة العليا) ومن مهامها محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية أو بجرائم تتعلق بوظائفهم العامة , ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة عن وظائفهم , وللبت في الأمور المتعلقة بتفسير الدستور وموافقة القوانين لأحكام الدستور , إلا أن هذه المحكمة تختلف من حيث نوعية أعضائها ولم تقتصر على القضاة فقط بل إن أكثرية أعضائها من مجلس الأعيان الذين لا يتمتعون بمؤهلات قانونية , ولغرض التعرف على الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام (1925) نقسم هذا المطلب إلى ثلاث فروع متتالية : الفرع الأول: تكوين المحكمة العليا الفرع الثاني: اختصاصات المحكمة العليا الفرع الثالث: طبيعة قرارات المحكمة العليا الفرع الأول: تكوين المحكمة العليا تقتصر الرقابة في العراق على التشريع بعد نفاذه , وتختلف الجهة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين باختلاف ما مر به العراق من أوضاع دستورية , فقد أناط القانون الأساسي العراقي وهو دستور عام (1925) , مهمة البت في الأمور المتعلقة بتفسيره وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه بمحكمة خاصة أطلق عليها اسم المحكمة العليا( ) كما نص عليها القانون الأساسي (( تؤلف محكمة عليا لمحاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية تتعلق بوظائفهم العامة ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم , والبت بالأمور المتعلقة بتفسير هذا القانون وموافقة القوانين لأحكامه ))( ) والقانون الأساسي جعل اختصاصات المحكمة العليا بشكل حصري هي: أولا: محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة عن نوعين من الجرائم ( الجرائم السياسية , والجرائم المتعلقة بوظائفهم العامة) ثانيا: محاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم. ثالثا: البت في الأمور المتعلقة بتفسير الدستور وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه . وتؤلف المحكمة من ثمانية أعضاء عدا الرئيس ينتخبهم مجلس الأعيان أربعة من بين أعضائه وأربعة من حكام محكمة التمييز أو غيرهم من كبار الحكام وتنعقد برئاسة رئيس مجلس الأعيان , وإذا لم يتمكن الرئيس من الحضور يترأس جلسة المحكمة نائبه ( ) ونجد هنا أن سلطة مجلس الأعيان واضحة في اختيار أعضاء المحكمة العليا. والقانون الأساسي اشترط أن يكونوا من حكام محكمة التمييز , فلمجلس الأعيان أن يختار غيرهم من كبار الحكام , كذلك نجد أن انعقاد المحكمة العليا لأجل محاكمة الوزراء أو أعضاء مجلس الأمة أو حكام محكمة التمييز عن الجرائم التي نص عليها الدستور , فأمر انعقاد المحكمة يكون من مسؤولية مجلس الأعيان دون غيره باختيار أعضاء المحكمة ولا دخل للإرادة الملكية بذلك إذا اقتضى إجراء المحاكمة أمام المحكمة العليا , وتحال القضية إليها بناء على قرار اتهامي صادر من مجلس النواب بأكثرية ثلثي الآراء من الأعضاء الحاضرين في كل قضية على حدة ( ) ويتوقف تحريك الدعوى على طبيعة الموضوع المراد عرضه على المحكمة العليا وذلك إذا كان مجلس النواب مجتمعا , أما إذا لم يكن مجلس النواب مجتمعا فان القانون الأساسي عالج هذا الأمر (( أما الأمور الأخرى فتحال إلى المحكمة العليا بقرار من مجلس الوزراء , أو بقرار من احد مجلسي الأمة )) ( ) وهنا تتدخل الإرادة الملكية عن طريق مجلس الوزراء لتشكيل المحكمة العليا , وانتقاء أعضاء المحكمة العليا من قبل السلطة التنفيذية , وعندما تختار فإنها تختار من يحمي مصالحها , وهنا يتدخل عامل الولاء للسلطة التنفيذية وإطاعتها لانجاز الغرض التي تشكلت من اجله المحكمة العليا. ونلاحظ إن عدد الحكام الذين يتم اختيارهم أربعة حكام من أصل تسعة أعضاء من بينهم رئيس المحكمة الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأعيان مع أربعة أعضاء من مجلس الأعيان , وهنا يكون العدد خمسة مقابل أربعة , علاوة على ذلك إن أعضاء مجلس الأعيان هم من المعينين من قبل الإرادة الملكية ولم يكونوا منتخبين , فمن الطبيعي أن تصدر الأحكام من المحكمة العليا وفقا" لما تشتهيه السلطة التنفيذية , ومن الجدير بالذكر إن المحكمة لم تمارس اختصاصها بمحاكمة من حددتهم المادة (81) من القانون الأساسي , ولم يذكر أن حاكمت احد من هؤلاء. الفرع الثاني : اختصاصات المحكمة العليا ثبت اختصاص المحكمة في القانون الأساسي فضلا عن اختصاصها في محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتكون من مجلس الأعيان , ومجلس النواب وحكام محكمة التمييز المتهمين بجرائم سياسية أو جرائم تتعلق بوظائفهم العامة فان القانون الأساسي أسند إلى المحكمة تفسير النصوص الدستورية ومراقبة دستورية القوانين, من خلال ما ورد وللبت في الأمور المتعلقة بتفسير هذا القانون وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه (م 81) وتنعقد المحكمة العليا بإرادة ملكية فيما يخص تفسير الدستور ورقابة دستورية القوانين , وتؤلف المحكمة في هذه الحالة وفق المادة (82/3 ) أي تؤلف من نفس العدد من حكام محكمة التمييز, والأعضاء الباقين من مجلس الأعيان برئاسة رئيس مجلس الأعيان , هذا فيما إذا كان مجلس الأمة مجتمعا" , أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعا" فهنا يتدخل مجلس الوزراء في اختيار أعضاء المحكمة بإرادة ملكية , هذا ما نص عليه الدستور (( إذا وجب البت في أمر يتعلق بتفسير أحكام هذا القانون أو فيما إذا كان احد القوانين المرعية يخالف هذا القانون , تجتمع المحكمة العليا بإرادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء بعد أن تؤلف وفق الفقرة الثالثة من المادة السابقة ( أي المادة 82) أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعا يكون نصب الأعضاء المذكورين من المادة السابقة بقرار من مجلس الوزراء وإرادة ملكية))( ) وقد مارست المحكمة اختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين بطعنها بقانون منع الدعايات المضرة رقم (20 لسنة 1938) , ولم يحدث أن نظرت المحكمة بدستورية المراسيم التشريعية الصادرة عن السلطة التنفيذية رغم مخالفتها لأحكام الدستور ( ) ومارست المحكمة العليا اختصاصها في تفسير المواد ( 20 و22 ) من القانون الأساسي. ومن التطبيقات القضائية للمحكمة العليا الخاصة بتفسير المادة (22/1) من القانون الأساسي التي تمنع إدخال تعديل ما مدة الوصاية بشأن حقوق الملك ووراثته . انه قد اجتمعت المحكمة العليا المشكلة بموجب الإرادة الملكية المرقمة 794 والمؤرخة في (16) كانون الأول (1941) في يوم الأربعاء المصادف (24) كانون الأول (1941) , برئاسة سماحة السيد (محمد الصدر) رئيس مجلس الأعيان , وعضوية كل من السادة محمد صبحي الدفتري , وعمر نظمي , وصالح باش أعيان , وعبد المحسن شلاش , أعضاء مجلس الأعيان , والسادة داود سمرة , وعبد العزيز المطير , وحسن تاتار , ومصطفى التكرلي , أعضاء محكمة التمييز وهم من كبار الحكام , وبعد أن تليت الإرادة الملكية المنوه عنها والمتضمنة تشكيل المحكمة العليا لغرض تفسير المادتين (20 و22 ) من القانون الأساسي وكذلك النظر في إحداث منصب باسم ( نائب أو مساعد أو وكيل وزير ) من أعضاء مجلس الأمة وتليت كذلك المذكرة في الفقرة 1 من القرار المذكور والتي هذا نصها (( هل أن إضافة حقوق إلى الملك في لائحة قانون الدستور الجديد خلال مدة الوصاية يعتبر مساسا" بحقوق جلالته )) أصدرت قرارها الذي جاء فيه : ( لدى النظر في الموضوع وبعد المداولة رأت أكثرية المحكمة انه إذا كان القصد إضافة حقوق إلى جلالة الملك في لائحة الدستور الجديد فذلك جائز لعدم مخالفته نص العبارة الأخيرة في الفقرة الأولى من المادة (22) من القانون الأساسي التي تمنع إدخال تعديل ما مدة الوصاية بشأن حقوق الملك , إذ لا يعد تعديلا في هذا الباب وقد خالف هذا القرار ثلاثة أعضاء وهم السادة ( محمد صبحي الدفتري وعبد العزيز المطير ومصطفى التكرلي ) ونص شرح أسباب المخالفة للسيدين الأوليين محمد صبحي الدفتري وعبد العزيز المطير " إن ما جاء في آخر الفقرة الأولى من المادة الثانية والعشرين من القانون الأساسي يمنع إدخال أي تعديل في القانون الأساسي مدة الوصاية بشان حقوق الملك ووراثته , وقد أيدت الفقرة القانونية هذا المنع بكلمة (ما) التي يجب والحالة هذه أن تكون شاملة ومانعة أي تعديل بما فيه تنقيص الحقوق وتزيدها إذ إن الغاية من هذا المنع والتحذير ليس ملاحظة تنقيص حقوق الملك في عهد الوصاية فقط بل أراد القانون أن تمارس هذه الحقوق في عهد الوصاية كما تمارس في عهد الملك السابق دون زيادة أو نقصان إلى أن يبلغ الصبي سن الرشد ويتولى العرش , إن المقصود من حقوق الملك التي جاءت في المادة هي وجائب الملك , والوجائب التي يقوم فيها الملك في المواد ( 19 و 20 و 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 ) تحت عنوان ( الملك وحقوقه) لذا نرى إضافة حقوق جديدة للملك هو تعديل أيضا وهذا يخالف نص الفقرة المذكورة التي جاءت مطلقة " وقد كانت مخالفة السيد مصطفى التكرلي مبنية على الأسباب التالية: (( إن الفقرة الأخيرة من المادة الثانية والعشرين من القانون الأساسي المطلوب تفسيرها وهي لا يجوز إدخال تعديل ما في القانون الأساسي مدة الوصاية بشأن حقوق الملك وليس فيها غموض من حيث السبك ومن حيث اللفظ غير أن ظاهر مفهومها الإطلاق غير المقصود من قبل المشرع , وبالنظر لتقيدها بالمنطق والأسس المتبعة في كافة القوانين الأساسية في الحكومات الدستورية فينبغي إذن أن يكون التفسير معنويا" لا لفضيا" : إن واضع القانون إنما تعرض لمنع إدخال التعديل لغاية صيانة حقوق الملك المنصوص عليها في القانون الأساسي وعدم فسح المجال للتنقيص منها وإناطة أمر التعديل في تنقيصها إلى لحوق رضاء جلالة الملك عند اكتسابه سن الرشد أما الزيادة في حقوق الملك فغير مقصودة في المنع الواردة في هذه المادة , عليه أرى أن التعديل بتزيد حقوق الملك في القانون أمر جائز مستنبط من قصد المشرع الذي استهدف حماية هذه الحقوق بعدم التعرض لها بالتنقيص فإدخال الحقوق الجديدة الزائدة سواء كانت عن طريق التعديل أو الإضافة كما تفتكر الأكثرية لا يتناولها المنع , فأنا والأكثرية على وفاق من حيث الموضوع والنتيجة في أمر إمكان التعديل في الزيادة لان التعديل أو الإضافة سيّان في نظري ولكني أختلف مع الأكثرية بأني أرى أن تكون هذه الحقوق الجديدة المراد إدخالها في القانون الأساسي غير منقصة من حقوق الشعب وحقوق مجلس الأمة الواردة في الدستور فأخالف الأكثرية من هذه الناحية فقط)))( ) . ومن خلال هذا التفسير الذي أفتت به المحكمة العليا للمادة( 22/ 1) جرى التعديل الثاني للقانون الأساسي في 27/10/1943( ) الفرع الثالث : طبيعة قرارات المحكمة العليا عندما تفصل المحكمة بدستورية أو عدم دستورية قانون ما فان الدستور اشترط على أن تصدر قراراتها بأكثرية ثلثي أعضاء المحكمة كما ورد في القانون الأساسي (( كل قرار يصدر من المحكمة العليا ينص على مخالفة احد القوانين أو نص أحكامه لأحكام هذا القانون ويجب أن يصدر بأكثرية ثلثي الآراء وإذا صدر قرار من هذا القبيل يكون ذلك القانون أو القسم المخالف منه ملغي من تاريخ صدور قرار المحكمة على أن تقوم الحكومة بتشريع يكفل إزالة الأضرار المتولدة من تطبيق الأحكام الملغاة )) ( ) والقرارات الصادرة من المحكمة العليا بهذا الشأن لها قوة الشئ المحكوم فيه , وهي قطعية وملزمة للكافة وغير قابلة للطعن فيها أمام أي هيئة أخرى ويجب تطبيقها في جميع المحاكم والدوائر الحكومية ( ) وتخرج من اختصاصات المحكمة العليا , الوزراء الاتحاديون وأعضاء مجلس الاتحاد العربي الذي أنشئ بين العراق والأردن الذي بموجبه صدر دستور الاتحاد العربي في (29 / 3 / 1958) ,حيث نص على تشكيل محكمة عليا تتألف من رئيس وستة قضاة , ثلاثة منهم من محكمة التمييز في كل من دولتي الاتحاد أو من كان في مستواهم من كبار رجال القانون ( ) وأسندت إليها الاختصاصات التالية: أ- محاكمة أعضاء مجلس الاتحاد ووزراء الاتحاد ب- الفصل في الخلافات التي تقع بين حكومة الاتحاد وواحد أو أكثرية من أعضائه أو التي تقع بين الأعضاء أنفسهم . ت- إعطاء المشورة القانونية في المسائل التي يحيلها عليها رئيس مجلس وزراء الاتحاد. ث- تفسير دستور الاتحاد وتكون لقراراتها الصادرة في هذا الشأن قوة النص المفسر. ج- مراقبة دستورية القوانين والمراسيم الاتحادية بناء على طلب من رئيس مجلس وزراء الاتحاد , ورئيس مجلس وزراء إحدى الدول الأعضاء ويعتبر القرار الصادر بعدم دستورية القانون أو المرسوم ملغيا له من تاريخ صدور القرار. ح- استئناف الأحكام القطعية الصادرة من حكام الدول الأعضاء إذا تضمنت هذه الأحكام الفصل في نزاع ذي مساس بأحكام هذا الدستور أو أي قانون اتحادي خ- استئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الاتحادية وفقا للقوانين ( ). كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين في العراق في ظل القانون الأساسي لعام (1925), رقابة لاحقة على الرغم من أن الواقع الدستوري المميز لهذا النوع من الرقابة , لم تكن تجربة العراق هذه في مأمن من الانجراف بالتيارات السياسية , كما إنها كانت ضعيفة أمام التأثيرات المختلفة التي كانت تباشرها السلطة التنفيذية , ولعل ذلك راجع إلى أن المشرع التأسيسي لم يتمكن من التخلص من آثار الظروف والتيارات السياسية عند تنظيمه للمحكمة العليا , وجاء هذا التنظيم متأثرا" بالاتجاه العام الذي هيمن على نصوص الدستور وهو تقوية السلطة التنفيذية على حساب بقية السلطات , وهذا جعل المحكمة العليا لا تتمتع بالاستقلالية بسبب نوعية أعضاء المحكمة التي يطغى عليها الطابع السياسي أكثر من وجود الطابع القانوني , فمن حيث أعضاء المحكمة فإنها كانت تنعقد برئاسة رئيس مجلس الأعيان و أربعة أعضاء يتم اختيارهم من المجلس نفسه وهم معينين من قبل السلطة التنفيذية , وهذا التعيين له الأثر الكبير في عدم الاستقلالية باعتبارهم واجهة السلطة التنفيذية أمام مجلس النواب ومن الطبيعي أن تتأثر قرارات المحكمة لتصب في صالح السلطة التنفيذية . أما من حيث عدد أعضاء المحكمة فان أكثرية الأعضاء من مجلس الأعيان , والقانون الأساسي لم يشترط لعضوية مجلس الأعيان أي تحصيل دراسي ومن أي درجة كانت , ولا حتى الإلمام بالقراءة والكتابة , ولعل القانون يختار من هؤلاء الأعضاء دون شروط لعضوية المحكمة العليا , وبما إن المحكمة تنعقد بإرادة ملكية مما لاشك فيه أن تتأثر قراراتها باتجاه السلطة التنفيذية , علاوة على ذلك فهي محكمة وقتية تنعقد تبعا للقضية المعروضة أمامها وتحل بانتهائها. المطلب الثاني : الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة على الرغم من أن الدساتير العراقية المؤقتة لم تتضمن الرقابة على دستورية القوانين بنصوص صريحة باستثناء دستور (21) أيلول لعام (1968 ), حيث نص هذا الدستور نصا صريحا على تشكيل محكمة دستورية عليا , وأسند إليها مهمة الرقابة على دستورية القوانين ابتداء من دستور (1985) إلى مشروع دستور جمهورية العراق لعام (1990) , لم تنص على الرقابة الدستورية , وتفريعا" على ذلك نقسم هذا المطلب إلى ثلاث فروع متتالية: الفرع الأول: الرقابة الدستورية في دستور عام 1958 المؤقت الفرع الثاني: الرقابة الدستورية في دستور عام 1968 المؤقت الفرع الثالث: الرقابة الدستورية في دستور عام 1970 المؤقت الفرع الأول : الرقابة الدستورية في دستور عام 1958 المؤقت مما لا شك فيه أن المشرع عند وضعه أحكام الدستور المؤقت لعام (1958) , اتجه إلى تنظيم المجتمع السياسي بشكل أكد فيه على مبدأ سيادة الشعب وعلى صيانة حقوقه , ولما كان من طبيعة الدساتير المؤقتة إنها لا تتعرض إلى ذكر جميع التفاصيل فيما يخص المبادئ الدستورية فإنها تكتفي عادة بالنص على أهم المبادئ العامة والعرف الدستوري , وتنظيما لذلك فان الدستور العراقي المؤقت لم يتطرق إلى تنظيم رقابة دستورية القوانين , واكتفى بالنص على أهم المبادئ بهذا الخصوص فقد نصت المادة (21) منه على أن السلطة التشريعية يتولاها مجلس الوزراء بتصديق مجلس السيادة وهذا الحل منطقي في فترة الثورة تقتضيه ضرورة السرعة للبت في الأمور بغية وضع الفكرة القانونية الجديدة موضع التنفيذ ويترتب على تمتع السلطة التنفيذية بسلطة التشريع , أن ليس لها في هذه الفترة إصدار مراسيم تشريعية طالما أنها تتمكن بموجب الدستور في تشريع القوانين , كما يترتب على ذلك أن ليس في الدولة خلال هذه المدة إلا فئة واحدة من القواعد هي القانون العادي , وهذا الوضع يبسط بشكل واضح رقابة دستورية القوانين , كما لم يغب على المشرع أهمية الدور الذي يلعبه القضاء في هذه الفترة , فنص على انه (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة أو فرد التدخل في استقلال القضاء أو في شئون العدالة ...)) ( ) واكتفى الدستور بهذا القدر , ولا شك أن عدم التطرق إلى تنظيم الرقابة الدستورية وعدم وجود سلطة ذات اختصاص مانع معناه أن الدستور اكتفى بالمبادئ العامة وما جرى عليه العمل في أغلب المجتمعات السياسية وكأنه أحال فيما يخص تنظيم الموضوع على تلك الأحكام والتطبيقات بالرجوع إلى تلك التطبيقات في الدول استنادا إلى أرجح آراء الفقهاء ( ) وبالرغم من أن الطريق السليم يتمثل في أن يكون للقضاء الحق في الرقابة على الدستورية إلا أن الدول قد تختلف بصدد كيفية إعمالها للرقابة و تحديد الهيئة القضائية المنوط بها هذه المهمة , و كيفية تحريك الرقابة أمام تلك الهيئة , و الوقت الذي تم فيه هذا التحريك , ويعتمد تحديد الجهة القضائية التي تتولى مباشرة الرقابة الدستورية على موقف المشرع الدستوري , فقد يصمت المشرع عن تنظيم هذا الموضوع ومن ثم تذهب المحاكم إلى تقرير حقها جميعا" في مباشرة رقابة الدستورية أيا كانت درجاتها في السلّم القضائي وهو ما أطلق عليه الفقه اصطلاح ( لا مركزية الرقابة ) ولكن ليست ثمة ما يمنع المشرع الدستوري من تقرير هذا الحق لجميع المحاكم بنص صريح فيكون النص الدستوري سندا" لمباشرة المحاكم هذه الرقابة , غير أن الغالب الأعم من الأحوال أن يصمت المشرع عن ذلك وهنا يعود سند مباشرة المحاكم لتلك الرقابة إلى وظيفة القاضي الأصلية في تطبيق القوانين , وحل مشكلة التنازع في التطبيق بينها, ومن ثم تحديد القانون الواجب التطبيق عند تعارضها مما يؤدي إلى امتناع هذه المحاكم عن تطبيق أي تشريع ترى انه مخالف للدستور ( ) ويكاد الفقه يجمع على أن الرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية هي من صميم واجبات القضاء مما لا يحتاج إلى نص خاص عليها, وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الكبير الدكتور عبد الرزاق احمد السنهوري في مقالة له في مجلة مجلس الدولة لسنة (1950) فقد قال (( على القضاء ممارسة هذه الرقابة لأنه يتعين عليه أن يمتنع عن تطبيق تشريع يكون في تقديره باطلا" لمخالفته الدستور )) ( ) وأكثر من ذلك ذهب كبار الفقهاء الفرنسيين أمثال( ليون ديكي , ومارسيل فالين) ,وغيرهم إلى حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين بالرغم من وجود نصوص صريحة تمنعها . والقضاء العراقي لم يكن بعيدا عن ممارسة الرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور , فقد مورست هذه الرقابة في ظل الدستور المؤقت للجمهورية الأولى ولو لمرة واحدة عندما امتنعت إحدى المحاكم عن تطبيق نص أحد قوانين الإصلاح الزراعي ( ) فقد امتنع القاضي المرحوم حسين سيف الدين في فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم (30 لسنة 1959) إذ قرر إن هذا القانون الصادر يخالف الدستور , فالدستور يحقق العدالة لكل العراقيين ويمنع استلاب الأرض بثمن بخس إلا في حالة الضرورة القصوى وللمصلحة العامة مع التعويض العادل , ولم يجد القاضي أي مبرر من إصدار هذا القانون وقرر الحكم للمدعي بتعويض عادل مما أستملك من أراضيه وحدد قيمة التعويض خمسة دنانير للدونم الواحد في لواء الحلة آنذاك لمخالفته الدستور. ( ) الفرع الثاني : الرقابة الدستورية في دستور عام 1968 المؤقت أناط دستور (21 أيلول لعام 1968 ) مهمة الرقابة الدستورية إلى محكمة دستورية عليا , وأسند إلى القانون تشكيل هذه المحكمة حيث جاء (( تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين , وتفسير القوانين الإدارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما" )) ( ) وعلى أثر ذلك صدر قانون رقم (159 لعام 1968) الخاص بتكوين المحكمة الدستورية العليا , وجاء في الأسباب الموجبة للقانون إن إنشاء هذه المحكمة لأجل أن تتولى تفسير أحكام الدستور تفسيرا" ملزما" لرفع ما يعتور نصوصه من غموض وكذلك تختص بتدقيق صحة استناد النظام إلى القانون وعدم تجاوزه أو مخالفته لأحكامه وكذلك المراسيم وعدم مخالفتها لسندها القانوني , أما تكوين المحكمة وأسلوب اختيار أعضائها فقد روعي فيها اختيار العناصر القانونية ( ) وطريقة ممارستها لصلاحياتها بمقتضى القانون , وتشكل من رئيس محكمة تمييز العراق , ومن ثمانية أعضاء أصليين وأربعة أعضاء احتياط , أما الأعضاء الأصليون فمنهم رئيس مجلس الرقابة المالية , ورئيس ديوان التدوين القانوني , وستة أعضاء يعينهم مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل , ويصدر تعينهم بمرسوم جمهوري على أن يكون ثلاثة منهم من أعضاء محكمة التمييز الدائمين , والثلاثة الآخرون من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجتهم عن درجة مدير عام , أما الأعضاء الاحتياط فمنهم حاكمان من حكام محكمة التمييز, واثنان من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجاتهم عن درجة مدير عام ويتم تعين الأعضاء الاحتياط بنفس طريقة تعين الأعضاء الستة الأصليين ( ) أما مدة العضوية فهي ثلاث سنوات قابلة للتجديد , أما مهام المحكمة فقد حددت في المادة 4 من القانون وتشمل مايلي: 1- تفسير أحكام الدستور 2- البت في دستورية القوانين 3- تفسير القوانين الإدارية والمالية 4- البت في مخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها 5- البت في المراسيم لسندها القانوني ( ) وأجازت المحكمة بالطعن بعدم الدستورية لرئيس الجمهورية , ورئيس الوزراء , ووزير العدل , والوزير المختص , ومحكمة تمييز العراق عند النظر في القضية المعروضة عليها , وإذا قررت المحكمة أن قانونا" ما قد خالف الدستور فانه يعد ملغيا" من تاريخ صدور الحكم , ومن ثم لم يكن للأفراد في ظل هذا الدستور الحق أن يتقدموا بطعن إلى هذه المحكمة وبذلك فقدت ضمانة أساسية لكفالة حقوق الأفراد وحرياتهم من الاعتداء عليها , ولم تمارس المحكمة الدستورية العليا أي شكل من أشكال الرقابة على دستورية القوانين طوال مدة نفاذ دستور 1968 . الفرع الثالث : الرقابة الدستورية في دستور عام 1970 المؤقت أما دستور عام 1970 المؤقت , فقد جاء خاليا" من الإشارة للرقابة على دستورية القوانين , وكذلك فعل مشروع دستور جمهورية العراق لعام 1990 , وعلى الرغم من النقص الدستوري الخطير لم يتجرأ القضاء العراقي على الأخذ بالدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف لأحكام الدستور ( ) واستثناءا" من ذلك إن القضاء العراقي مارس تلك الرقابة للمرة الثانية بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور عندما امتنعت إحدى المحاكم في بغداد عن تطبيق أحد قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل لمخالفته للدستور ( ) وهذا ما تأكد في قرار محكمة بداءة الكرخ في الدعوى رقم (80/ ب/1990) الصادر بتاريخ (31 / 12/ 1990) الذي أصدره القاضي دارا نور الدين بهاء الدين عندما امتنع عن تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (581 الصادر في 5/5/1981) لمخالفته لحكم الفقرة ب من المادة (16) من دستور (16 تموز 1970) وقد اكتسب هذا القرار الدرجة القطعية بعد المصادقة عليه بقرار محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية المرقم (507/ حقوقية / 1991) إعلام (666) وقد تعرض بسببه (القاضي دارا نور الدين)(*) لغضب السلطة وقتذاك وعوقب بعقوبة سالبة للحرية ( ) ونرى أن عدم تجرؤ القضاء العراقي على الأخذ بالرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور باستثناء حالتين سجلت في تاريخ القضاء العراقي وتحديدا" في الدساتير المؤقتة , الحالة الأولى في دستور (1958) تتحدد في الامتناع عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم (30 لسنة 1959 ) والثانية في عام (1990) في قضية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 581 الصادر في 5/5/1981 , وسبب ذلك يعود لخضوع القضاة للسلطة التنفيذية في تعينهم ونقلهم ومعاقبتهم , ولم يكونوا مستقلين استقلالا" يمكنهم من النهوض بهذا الأمر من جهة , و للقيود التي وضعت على القضاء سواء كان الإداري أو العادي بتحصين أعمال السيادة من رقابة القضاء , فقد ورد الحظر في قانون مجلس شورى الدولة رقم (65 لسنة 1979 ) المعدل من جهة أخرى , حيث نص في (م 7/خامسا") من القانون (( لا تختص محكمة القضاء الإداري بالنظر في الطعون المتعلقة بما يأتي : أ- أعمال السيادة وتعتبر من أعمال السيادة المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية )) كما ورد في المادة العاشرة من قانون التنظيم القضائي رقم (160 لسنة 1979) المعدل (( لا ينظر في كل ما يعتبر من أعمال السيادة )) وهذا التحصين لم يميز بين ما هو من قبيل القرارات الإدارية التي تصدرها السلطة التنفيذية بوصفها سلطة إدارة , ولا الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية بوصفها سلطة حكم فيما يخص القرارات التي تتصل بسيادة الدولة الخارجية والداخلية , التي تسمى بأعمال السيادة , وحسنا فعل المشرع في دستور العراق الدائم لعام (2005) عندما نص على أن (( يحضر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن )) ( ) . وباستثناء المحكمة العليا التي تم إنشائها في دستور عام (1925) , ظل العراق منذ تأسيس الدولة العراقية يفتقر إلى وجود محكمة عليا فاعلة تعنى بالفصل في دستورية القوانين والقرارات والأوامر والأنظمة والتعليمات التي تصدر من السلطتين التشريعية والتنفيذية , مما ولّد فراغا" قضائيا" انعكس سلبا" على حقوق الإنسان وعلى سيادة القانون بالفصل في دستورية القوانين وشرعيتها بداعي انه قضاء مهمته تطبيق القانون وليس البحث في شرعيته , وكثيرا" ما اصطدم القضاء العادي في العراق مع السلطة التنفيذية في محاولاته المتكررة بمناقشة عدم شرعية بعض القوانين والقرارات التي لها قوة القانون فكان لابد من إنشاء محكمة عليا تتولى هذه المهمة لضمان احترام قيام السلطة التشريعية أو التنفيذية , بمخالفة المبادئ الأساسية أو النصوص الواردة في الدستور والفصل في المنازعات التي تنشأ بين السلطات. ( ) ومن الجدير بالذكر أن الدساتير المؤقتة باستثناء دستور عام (1968) لم تنص على الرقابة على دستورية القوانين , بسبب طبيعة نظم الحكم الشمولية التي تتابعت على العراق عقب الانقلابات العسكرية والتي كانت تكتب الدساتير وفق فلسفتها القائمة على الاستئثار بالسلطة بعيدا" عن الرقابة كما إن الأوضاع غير المستقرة في الدولة قد انعكست سلبا" على دور القضاء في مراقبة دستورية القوانين . فالقضاء وان ذكرت النصوص الدستورية استقلاليته بقي استقلاله وفق منظور السلطة السياسية القابضة على دفة الحكم وليس استقلالا" بما يقره النظام القانوني والعرف الدستوري . ومن جانب آخر لم يتمكن القضاء من الرجوع إلى المبادئ العامة في تغليب القواعد الدستورية على غيرها من القواعد المخالفة للدستور فيأخذ بأسلوب الدفع الفرعي أو الدفع بعدم الدستورية وهو أمر كان متاحا" إلى حد كبير , فلم يكن جريئا" ليمارس مهامه بمعزل عن السلطة التنفيذية التي لها اليد الطولى والتسلط على باقي الهيئات الدستورية الأخرى ومنها السلطة القضائية التي يخضع أعضائها للتعيين بمن فيهم وزير العدل الذي يمارس مهامه كجزء منها, وعندما تكون الجهات القضائية تابعة إلى وزير العدل , هذا يعني إن السلطة القضائية برمتها خاضعة للسلطة التنفيذية وجزء منها وهو ما يجعل القضاء ضعيفا" في أداء مهامه في ممارسة الرقابة الدستورية , وحسنا" فعل المشرع عندما أعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى في العراق وجعله مستقلا" عن وزارة العدل , وهذه خطوة متقدمة بأن يمارس القضاء الدستوري المهام الموكلة إليه دستوريا بمراقبة دستورية القوانين عن طريق المحكمة الاتحادية العليا , ونأمل أن تمارس هذه المحكمة اختصاصها بكل حيدة واستقلال ومهنية دون تدخل القوى السياسية والحزبية في مهامها , وكنا نتوسم بالمشرع أن يدعم استقلالية القضاء الإداري ولا يقتصر على القضاء العادي وذلك إن القضاء الإداري في العراق ولد ضعيفا" ومقيدا" واختصاصاته محددة قياسا" باختصاصات القضاء الإداري في الدولة الأخرى التي لها باع طويل في القضاء الإداري مثل فرنسا وبلجيكا ومصر , ولهذا نرى أن توسيع اختصاصات القضاء الإداري وجعلها منبسطة على كل المنازعات الإدارية , تأسيس لولادة قضاء إداري سليم ومعافى , ولا تتم هذه المعافاة ما لم يكن القضاء الإداري مستقلا" ومن ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى , وإذا كنا ندعو إلى استقلالية القضاء الإداري والقضاء العادي هذا لا يعني إننا نؤيد الاستقلال المطلق بقدر ما ندعو إلى استقلال نسبي ومتوازن يحفظ للقضاء هيبته , ونرى إن الاستقلالية المطلقة فكرة مثالية لا يمكن تحقيقها في الواقع العملي الملموس بسبب تداخل عمل السلطات . المبحث الثاني : الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005 إن انتقال العراق في ظل دستور عام (2005) من دولة بسيطة إلى دولة اتحادية, وانتقل نظام الحكم من النظام الرئاسي إلى البرلماني وتم اعتماد مبدأ الفصل بين السلطات والتأكيد على احترام الحقوق والحريات الأساسية سواء في وثيقة قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية أو في وثيقة الدستور الحالي , كذلك نص على مبدأ استقلالية السلطة القضائية والضمانات التي يتمتع بها القضاة من خلال إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وجعله مستقل عن وزارة العدل , وعدم تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في استقلال القضاء , وحفاظا" على صيانة الوثيقة الدستورية كان لابد من إنشاء محكمة عليا للحفاظ على سيادة القانون وتحقيق العدالة . وأراد المشرع الدستوري أن يوضح معالم الدولة القانونية الجديدة من خلال النص على إنشاء محكمة اتحادية عليا تختص بالرقابة على دستورية القوانين إلى جانب اختصاصات أخرى مهمة . ولغرض التعرف على الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005 , نقسم هذا المبحث إلى ثلاث مطالب متتالية: المطلب الأول: تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية المطلب الثاني: اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا المطلب الثالث: إجراءات رفع الدعوى الدستورية المطلب الأول: تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية يختلف تكوين المحكمة الاتحادية العليا في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام (2004) عن تكوين المحكمة في دستور عام (2005) من حيث إجراءات تعين رئيس وأعضاء المحكمة كما أن الرقابة التي تمارسها المحكمة جمعت بين المزج بين طريقتي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية , حسب ما قرره النظام الداخلي للمحكمة, والدعوى المباشرة (دعوى الإلغاء) في قانون المحكمة ولأهمية التعرف على تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية نتناول هذا المطلب في فرعين متتاليين: الفرع الأول : تكوين المحكمة الاتحادية العليا الفرع الثاني : طرق ممارسة الرقابة الدستورية الفرع الأول : تكوين المحكمة الاتحادية العليا أوكل قانون إدارة الدولة في المادة (39/ ج ) منه إصدار تعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا إلى مجلس الرئاسة , إذ نصت على انه (( يقوم مجلس الرئاسة كما هو مفصل في الباب السادس بتعين رئيس وأعضاء المحكمة العليا , بناء على توصية من مجلس القضاء الأعلى )) بينما نجد أن المادة (92 / ثانيا) من الدستور الدائم أحالت الاختيار إلى مجلس النواب . و تتكون وفقا لقانون إدارة الدولة المحكمة الاتحادية العليا من تسعة أعضاء , وقام مجلس القضاء الأعلى أوليا" بالتشاور مع المجالس القضائية للأقاليم بترشيح ما لا يقل عن ثمانية عشر إلى سبعة وعشرين فردا" لغرض ملئ الشواغر في المحكمة المذكورة ويقوم بالطريقة نفسها فيما بعد بترشيح ثلاثة أعضاء لكل شاغر لاحق يحصل بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العزل , ويقوم مجلس الرئاسة بتعين أعضاء هذه المحكمة وتسمية أحدهم رئيسا" لها , وفي حالة رفض أي تعين يرشح مجلس القضاء الأعلى مجموعة جديدة من ثلاثة مرشحين ( ) وبعد التشاور مع المجالس القضائية في كردستان , ومن خلال عملية اقتراع سري وحر , خضعت أسماء المرشحين للتمحيص من قبل مجلس الرئاسة استمر سبعة أشهر اختير بعدها رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا , حيث صدر المرسوم الجمهوري المرقم (398 والمؤرخ في 30 /3 / 2005) بالتعين , وبعد إجراء انتخابات الجمعية الوطنية وتشكيل الحكومة أعيد تعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بالقرار الجمهوري المرقم (2 الصادر من هيئة الرئاسة في 1/ 6/ 2005) ( ) ولعل هذه الطريقة بتعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا سوف تختلف عما ورد بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وذلك أن دستور عام (2005) أسند إلى القانون اختيار أعضاء المحكمة بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب , والمحكمة لا تتكون من القضاة فقط بل أضاف الدستور إليها خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون , كما نص على ذلك (( تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون , يحدد عددهم وتنظيم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب )) ( ) ولكل من هذه العناوين صفات تختلف فيما يؤديه من عمل : فالقضاء: هي الجهة التي تختص بفض المنازعات بمقتضى القانون سواء أكانت هذه المنازعات واقعة بين الأفراد أو بين الأفراد والحكومة , والقضاء في اللغة بمعنى الحكم والإلزام ( ) قال تعالى (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ))( ) ويذهب فقهاء الشريعة في تعريف القضاء مذهبين الأول يرى أن القضاء صفة حكمية في القاضي توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي . والثاني يرى أن القضاء هو فعل يصدر عن القاضي فهو فض الخصومات وقطع المنازعات على وجه مخصوص ( ) أما في الاصطلاح فهو قول ملزم يصدر عن ولاية عامة وهو في حقيقة الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام ( ) إن الغاية الأساسية للقضاء هي ضمان الحماية القانونية للناس كافة على سواء بينهم في ذلك ( ) أما خبراء الفقه الإسلامي : فهم أهل العلم والفضل وتؤخذ مشورتهم فيما يعرض من نزاع ما لمعرفة ماهية الحكم الشرعي المناسب , وهذه المشورة أمر مطلوب في عمل القاضي . أما الخبرة القانونية : فهي استشارة فنية يستعين بها القاضي للوصول إلى معرفة علمية أو فنية فيما يتعلق بالواقعة المعروضة أمامه تنير الطريق ليبني حكمه على أساس سليم ( ) وجاء في قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل (( تتناول الخبرة الأمور العلمية والفنية وغيرها من الأمور اللازمة للفصل في الدعوى دون المسائل القانونية )) ( ) وتأسيسا على ذلك ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في نظامها الداخلي على انه (( إذا اقتضى موضوع الدعوى الاستعانة برأي المستشارين لديها أو خبراء من خارجها فتقرر الاستعانة بهم ويكون رأيهم استشاريا" ))( ) وفي خضم هذا الجدل بخصوص خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون انقسم رجال القانون والمختصين إلى فريقين : الفريق الأول : يرى أن عمل المحكمة الاتحادية العليا وسواها من المحاكم الدستورية في العالم هو عمل قضائي بحت ويستمد هذا المبدأ أساسه من الدستور ذاته كما جاء في المادة (92 / أولا) (( المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا" وإداريا" )) ويعني ذلك أن تفسير نصوص الدستور تلك المهمة الشاقة التي تجعل من قرار التفسير قوة النص الدستوري , وهو أيضا" عمل قضائي , والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات عمل قضائي , كما أن الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء , عمل قضائي إضافة إلى جميع الصلاحيات التي خول فيها الدستور المحكمة الاتحادية العليا موضوع المادة 93 منه هي أعمال قضائية لا يمكن الفصل فيها إلا من قبل قاضي مؤهل لهذا العمل , والمحكمة ينحصر عملها في تطبيق القانون وقول كلمة العدالة , ولما كان الأمر كذلك فليس لغير القضاة الصلاحية لممارسة عمل خارج عن اختصاصهم , وان الخبراء والحالة هذه غير مؤهلين من الوجهة المهنية للفصل في قضاء لان تأهيلهم انحصر في مجال الخبرة حصرا" . إن الخبرة والخبراء وحسب المفهوم اللغوي والفقهي والقانوني هو عمل استشاري لا يتعدى المشورة مطلقا" وان القول بخلاف ذلك يخرج الخبرة عن وصفها القانوني , ومما لاشك فيه أن خبراء الفقه الإسلامي هم أعضاء في المحكمة الاتحادية العليا لان الدستور وضعهم موضع الخبير الذي ليس له سوى إبداء المشورة ( ) أما الفريق الثاني: يرى عكس ما ذهب إلية الفريق الأول وسبب ذلك هو التخوف من الغموض الوارد في (م2 / أولا / أ) من الدستور التي جاء فيها (( لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام )) والبند (أولا / ب) من نفس المادة التي جاء فيها (( لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية )) وهذين النصين يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضا" بينهما , وفي تصورهم أن مبادئ الديمقراطية ليس لها محددات وبالتالي ستكون بحاجة ملحة أن تكون هناك جهة لتفسير تلك المحددات , وعلى ضوء ذلك يرى الفريق الثاني لابد من مشاركة خبراء الفقه الإسلامي في اتخاذ القرار مع الهيئة القضائية ( ) ونرى أن التجربة الجديدة في العراق تثير المخاوف لدى البعض بضم خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون إلى عضوية المحكمة واعتبرها البعض مخالفة لاستقلالية القضاء وتدخلا" في عمل السلطة القضائية , وعدم جواز زج خبراء الفقه الإسلامي في عضوية المحكمة باعتبار العضوية أمرا" محصورا" بالقضاة فقط , وهي نظرة لا تخلو من القصور فمفردات الدستور واضحة في المادة 2 منه مما لا شك فيه أن سن قانون يخالف هذه الثوابت هو قانون غير دستوري وهنا يبرز دور خبراء الفقه الإسلامي ليبينوا أن هذا القانون يخالف أو لا يخالف ثوابت أحكام الإسلام , فمن المعلوم أن القضاة لا يملكون ما يملكه خبراء الفقه الإسلامي , كما أن خبراء الفقه الإسلامي لا يملكون ما يملكه القضاة في حسم الدعاوى القضائية , وعليه يكون التميز بين خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون والقضاة , يحدده طبيعة الموضوع المراد حسمه أمام المحكمة , إذا كان الموضوع ذو طبيعة قضائية فان دور خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون لا يتعدى المشورة فقط دون التصويت , أما إذا كان الموضوع ذو طبيعة غير قضائية يتعلق بالمادة 2 من الدستور والمصادقة على نتائج الانتخابات أرى من الضروري أن يكون لهم حق التصويت , وبهذا نخلص إلى التمييز بين ما هو من الاختصاصات الحصرية للقضاء الذي يكون البت فيه للقضاة حصرا" مع مشورة خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون دون التصويت وذلك للتخلص من إشكالية الجدل الدائر حول خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون . الفرع الثاني : طرق ممارسة الرقابة الدستورية نتطرق إلى طرق ممارسة الرقابة على دستورية القوانين التي يتبعها التنظيم القضائي العراقي مثل ( المزج بين طريقتي الدفع الفرع والدعوى الأصلية , وفي طريقة الدعوى المباشرة ) أولا": المزج بين طريقتي الدفع الفرعي و الدعوى الأصلية بينا سابقا إن طرق الرقابة القضائية في الدول أما أن تتم بطريقة الدفع الفرعي وهي رقابة الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور أو رقابة الدعوى المباشرة وتسمى أيضا" الدعوى الأصلية أو ( دعوى الإلغاء), أو بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية المباشرة والدفع بعدم الدستورية ويتم الأسلوب الأخير بان يتقدم الأفراد بالطعن بعدم دستورية قانون ما أمام المحاكم , فان اقتنعت بجدية الطعن تقدمت به إلى المحكمة الدستورية وهذه الطريقة تفترض وجود دعوى يراد فيها تطبيق قانون معين فيدفع أحد الخصوم بعدم دستورية هذا القانون , وفي هذه الحالة لا تفصل المحكمة في صحة الدفع بل تؤجل النظر في الدعوى وتحيل الطعن في دستورية القانون إلى المحكمة الدستورية التي يكون لحكمها حجية مطلقة تجاه الكافة . ويبدو أن الرقابة التي تمارسها المحكمة الاتحادية العليا في العراق تتمثل أولا": بأسلوب المزج بين طريقتي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية ويتم الطعن في دستورية القوانين حسب هذا الطريق بأسلوبين : 1- أن يتم الطعن من خلال المحاكم بطلب من تلقاء نفسها أثناء نظرها دعوى ودون دفع من المتقاضيين ويتضح هذا من نص المادة 3 من النظام الداخلي للمحكمة حيث ورد : (( إذا طلبت إحدى المحاكم من تلقاء نفسها أثناء نظرها دعوى البت في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي أو نظام أو تعليمات يتعلق بتلك الدعوى فترسل الطلب معللا" إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت فيه ولا يخضع هذا الطلب إلى الرسم )) ( ) وهذا النص أعطى للمحاكم على اختلاف درجاتها أثناء نظرها دعوى مدنية أو جزائية , عندما تجد أن النص القانوني أو القرار أو التعليمات أو النظام واجب التطبيق على وقائع الدعوى مخالف للدستور فلها أن تطلب من تلقاء نفسها البت في شرعية النص وترسل طلبا" معللا" إلى المحكمة الاتحادية العليا غير خاضع للرسم , وهنا فان محكمة الموضوع لا تلغي النص وإنما تحيله إلى المحكمة الاتحادية العليا التي تقوم بدورها التحقق من دستورية أو عدم دستورية النص المحال إليها من محكمة الموضوع , والإلغاء يكون من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا دون غيرها . ومن التطبيقات القضائية للمحكمة الاتحادية العليا على ضوء المادة 3 من النظام الداخلي للمحكمة في الدعوى : 10 / اتحادية / 2006 التاريخ : 29 / 5 / 2006 الخاص بطلب محكمة التمييز الاتحادية بمدى دستورية نص المادة ( 20 / أولا – ثانيا ) من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 ولأهمية القرار ووقائعه ارتأينا ايرادة كاملا" : ( طلبت محكمة التمييز الاتحادية بموجب كتابها المرقم 52 / 53 / 71 / الهيئة العامة / 2006 والمؤرخ في 11 / 4 / 2006 النظر في دستورية نص المادة (20/ أولا – ثالثا ) من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 والبت في شرعيته والتي نصت على انه ( للمعترض وللمعترض عليه أن يميز قرار لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة خلال ستين يوما من تاريخ تبليغه بقرار اللجنة المذكورة ويكون قرار الهيئة العامة الصادر بذلك قطعيا ) حيث ترى الهيئة العامة وبرأي أكثرية أعضائها بان النص المذكور غير دستوري للأسباب الواردة في قرارها المرقم 52 / الهيئة العامة / 2005 والمؤرخ في 29 / 3 / 2006 والمتضمن بان المادة 47 من دستور جمهورية العراق نصت بان تكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات وحيث أن مجلس شورى الدولة يرتبط بوزارة العدل ولا يعد من أجهزة السلطة القضائية فهو تابع للسلطة التنفيذية ويتكون من رئيس وأعضاء غالبيتهم المطلقة من غير القضاة وبالتالي فان نظر الطعون من قبل المجلس المذكور يخل بمبدأ الفصل بين السلطات وان المادة 29 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 نصت بان تسري ولاية المحاكم المدنية على جميع الأشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات إلا ما استثنى بنص خاص وان التشريع المذكور من شانه الإخلال بهذا المبدأ خاصة وان الدستور الدائم وقبله قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية نص على استقلالية القضاء سيما وان المشرع أوجب أن يرأس هيئة قضايا المتقاعدين قاضي منتدب من مجلس القضاء وأعضاء آخرين فلا يجوز النظر تميزا" في القرارات الصادرة منها من قبل هيئة قضائية ولأسباب أخرى المسرودة في القرار المذكور ولدى ورود طلب محكمة التمييز الاتحادية تم تسجيله لدى هذه المحكمة وأشعرت المحكمة وزارة المالية بيان رأيها بشان الموضوع خلال خمسة عشر يوما" وإنها أوضحت رأيها في الموضوع بموجب كتابها المرقم / القانونية / الوظيفة العامة / القسم 802 / 14 وبعدد 16486 في 15 /5 / 2006 والمتضمن بان لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين تشكل برئاسة قاضي من الصنف الثاني وعضوين من الموظفين القانونيين من وزارة المالية وآخر من وزارة الدفاع تتخذ قراراتها بالأكثرية وهي لجنة مشكلة بموجب قانون التقاعد الموحد , وهو قانون يختص بتنظيم شؤون المتقاعدين من موظفي الدولة من حيث الحقوق التقاعدية لذا فإنها تعتبر لجنة إدارية وان القرارات التي تصدرها هي قرارات إدارية وليست قضائية وحيث أن الفقرة ( ثالثا" من البند أولا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد ) قد نصت بأنه ( للمعترض وللمعترض عليه أن يميز قرار لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة خلال ستين يوما" من تاريخ تبليغه بقرار اللجنة ويكون قرار الهيئة العامة الصادر بذلك قطعيا ) لذا فان الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة هي المختصة للنظر في الطعون التميزية بقرارات لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين وبعد الاطلاع على إجابة وزارة المالية حددت المحكمة موعدا للنظر في القرار.) وقد خلصت المحكمة إلى قرارا ورد فيه ( لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد أن الفقرة (أ) من البند أولا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 نصت بتشكيل لجنة تسمى ( لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين ) برئاسة قاضي من الصنف الثاني ينتدبه مجلس القضاء وعضوين من الموظفين القانونيين لا تقل درجتهما عن مدير احدهما من وزارة المالية والآخر من وزارة الدفاع تتخذ قراراتها بالأكثرية وينظر في جميع قضايا التقاعد المعترض عليها الناشئة من تطبيق أحكام القانون المذكور , لذا تجد هذه المحكمة أن هذه اللجنة هي لجنة خاصة شكلت بموجب قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 للنظر في شؤون المتقاعدين من موظفي الدولة من حيث الحقوق التقاعدية وان القرارات التي تصدرها هي قرارات إدارية ذات طبيعة خاصة تغلب عليها الصفة الإدارية وليست قرارات قضائية صرفة بالرغم من أن اللجنة يترأسها قاضي ينتدبه مجلس القضاء لذا فان القرارات التي تصدرها تعتبر قرارات ذات طبيعة خاصة وحيث أن البند أولا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد عين مرجع الطعن في القرارات التي تصدرها اللجنة المذكورة لدى الهيئة العامة لذا للأسباب المتقدمة فان النص المتقدم المنصوص عليه في البند ثالثا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 لا يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء والتدخل في شؤون السلطة القضائية من قبل السلطة التنفيذية ويكون طلب الهيئة العامة لمحكمة التميز المشار إليه أعلاه غير وارد , لذا قرر رد الطلب ) ( ) . 2- أن يدفع احد الخصوم في دعوى تنظرها احد المحاكم بان النص القانوني أو القرار المراد تطبيقه علية غير دستوري فيكلف الخصم بتقديم هذا الدفع بدعوى فتبت هي في قبول الدعوى فإذا قبلتها ترسلها مع المستندات إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت بعدم الشرعية وفق تفصيل أوردته المادة 4 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا التي جاء فيها (( إذا طلبت إحدى المحاكم الفصل في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي أو تعليمات أو أمر بناء" على دفع احد الخصوم بعدم الشرعية فيكلف الخصم بتقديم هذا الدفع بدعوى , وبعد استيفاء الرسم عنها تبت في قبول الدعوى فإذا قبلتها ترسلها مع المستندات إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت بعدم الشرعية وتتخذ قرارا" باستئخار الدعوى الأصلية للنتيجة , أما إذا رفضت الدفع فيكون قرارها بالرفض قابلا" للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا)) ( ) نجد أن هذا النص جاء خاليا" من تحديد مدة للخصم في رفع الدعوى هذا لان تحديد المدة يعطي رؤية للمحكمة للتحقق من أن رغبة الطاعن أمامها جدية وليس مجرد كسب الوقت أو إضاعته , وهنا يبدو الخلل في عدم تحديد مدة محددة وعليه يجب معالجة هذه المسألة . هذا وتقرر المحكمة استئخار الدعوى التي تنظرها أصلا إلى حين البت من المحكمة الاتحادية العليا في دستورية القانون المراد تطبيقه من عدمه استنادا" إلى أحكام (م 83 / 1) من قانون المرافعات المدنية رقم(83 لسنة 1969) بقولها (( إذا رأت المحكمة أن الحكم يتوقف على الفصل في موضوع آخر قررت إيقاف المرافعة واعتبار الدعوى مستأخرة حتى يتم الفصل في ذلك الموضوع وعندئذ تستأنف المحكمة السير في الدعوى من النقطة التي وقفت عندها ويجوز الطعن في هذا القرار بطريق التمييز )) ثانيا": طريقة الدعوى المباشرة ( دعوى الإلغاء ) الأسلوب الأخر الذي اتبعته المحكمة الاتحادية العليا للرقابة على دستورية القوانين هو طريق الدعوى الأصلية أو المباشرة , وهو ما يتبين من نص المادة الخامسة من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا حيث جاء في النص أنه (( إذا طلبت إحدى الجهات الرسمية بمناسبة منازعة قائمة بينها وبين جهة أخرى الفصل في قانون أو قرار تشريعي أو نظام أو تعليمات أو أمر فترسل الطلب بدعوى إلى المحكمة الاتحادية العليا معللا" مع أسانيده وذلك بكتاب موقع من الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة )) . وهذه المادة تطرقت إلى المنازعات التي قد تنشأ بين جهة رسمية و جهة أخرى سواء أكانت تلك الجهة رسمية أو غير رسمية . ومن ثم فان إقامة الدعوى من تلك الجهة يفترض وجود منازعة قائمة و أن تقدم الأسباب بكتاب موقع من الوزير إذا كانت جهة رسمية مرتبطة بوزارة , أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ويطلق على هذه الدعوى بالدعوى المباشرة أو دعوى الإلغاء . و تستند المحكمة الاتحادية العليا في اختصاصها هذا إلى نص المادة (4 / ثانيا") من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ( 30 لسنة 2005) التي نصت على انه ((الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من أية جهة تملك حق إصدارها وإلغاء التي تتعارض منها مع أحكام قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , ويكون ذلك بناءا" على طلب من محكمة أو جهة رسمية أو من مدع بمصلحة )) . ومن الجدير بالذكر أن هذا النص يسمح لكل مدع بمصلحة بما في ذلك الأفراد أن يرفع الدعوى أمام المحكمة الاتحادية العليا للنظر بشرعية القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من أية جهة تملك حق إصدارها وإلغاء التي تتعارض منها مع أحكام الدستور . ومن التطبيقات القضائية لدعوى الإلغاء قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية المادة 15 / ثانيا" من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 ذي العدد15 / ت / 2006 بتاريخ 26 / 4 / 2007 والذي ادعى فيه وكلاء المدعية أمام هذه المحكمة بأن الجمعية الوطنية العراقية أصدرت بتاريخ 5 /10 / 2005 قانون انتخابات رقم 16 لسنة 2005 والذي حل بديلا" لقانون الانتخابات السابق رقم 96 لسنة 2004 وقد جاء في المادة 15 /ثانيا" منه بأن تكون كل محافظة وفقا" للحدود الإدارية الرسمية دائرة انتخابية تختص بعدد من المقاعد يتناسب مع عدد الناخبين المسجلين في المحافظة حسب انتخابات ( 30 / كانون الثاني/ 2005 ) المعتمد على نظام البطاقة التموينية أي أن القانون اعتمد معيار الناخبين المسجلين في حين أن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وفي المادة (49 / ثانيا") منه قد نص على أن يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة 1 لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق أي أن الدستور اعتمد معيار عدد النفوس الكلي لذا يكون نص المادة (15 / ثانيا") من قانون انتخابات رقم 16 لسنة 2005 مخالفا" لنص صريح في الدستور في المادة (49 / ثانيا") منه إضافة إلى ما يترتب على هذه المخالفة الدستورية من ضرر وحيف سيلحق عددا" من المحافظات ( نينوى وصلاح الدين وديالى وبابل ) لأنها ستفقد عددا" من المقاعد في الجمعية الوطنية العراقية هي من استحقاقها فيما إذا اعتمد المعيار الوارد في الدستور , لذا فإنهم بادروا بالطعن بعدم دستورية نص المادة (15 / ثانيا") من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لذا طلبوا بعد إجراء اللازم الحكم بعدم دستورية نص المادة (15 / ثانيا") من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 وإلغاء كافة الأنظمة والتعليمات التي صدرت استنادا" إلى هذه المادة وذلك استنادا" لنص المادة ( 13 / أولا" وثانيا" ) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وذلك بسبب مخالفتها لنص صريح في الدستور تمثل في المادة 49 منه . وبعد تسجيل الدعوى وفقا" للفقرة ثالثا" من المادة 1 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا واستكمال الإجراءات المطلوبة وفق الفقرة ثانيا" من المادة 2 من النظام المذكور تم تعين موعدا" للمرافعة ... وقد تبين بان وكلاء المدعي وقبل حلول الجلسة كانوا قد قدموا لائحة توضيحية إلى هذه المحكمة مؤرخة في 11 / 9 / 2006 طلبوا فيها اعتبار المدعى عليه هو رئيس مجلس النواب / إضافة لوظيفته وهو الخصم الحقيقي بدلا" من رئيس الجمعية الوطنية / إضافة لوظيفته وقد استجابت المحكمة طلبهم وقررت اعتبار المدعى عليه هو رئيس مجلس النواب / إضافة لوظيفته بدلا" من رئيس الجمعية الوطنية العراقية وقرر اتخاذ الإجراءات القضائية في الدعوى تبعا" لذلك وقد أوضح وكلاء المدعية : أن القانون الذي جرت الانتخابات في ظله هو قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وان نص المادة ( 15 / ثانيا" ) من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 جاءت مخالفة لروح ونص المادة ( 31 / أ ) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية للأسباب التي أوضحوها في لوائحهم وقد اطلعت المحكمة عليها كما اطلعت على اللوائح المقدمة من وكيل المدعى عليه ... والذي طلب فيها رد الدعوى مع تحميل المدعية المصاريف والأتعاب لان الدعوى غير مستوفية للشرط الخامس من المادة 6 من النظام الداخلي رقم 1 لسنة 2005 أجار سير العمل في المحكمة الاتحادية العليا . وان نص المادة ( 15 / ثانيا" ) من قانون الانتخابات جاء متفقا" مع نص المادة 49 من الدستور في الموضوع ولغيرها من الأسباب التي وردت فيها. وبعد ذلك خلصت المحكمة إلى قرارها المتضمن (أن الانتخابات التي جرت في العراق لانتخابات أعضاء مجلس النواب قد جرت في ظل قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وان الفقرة ثانيا" من المادة 15 من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 نصت بأن تكون كل محافظة وفقا" للحدود الإدارية الرسمية دائرة انتخابية تختص بعدد من المقاعد يتناسب مع عدد الناخبين المسجلين في المحافظة حسب انتخابات ( 30/ كانون الثاني / 2005) (المعتمد على نظام البطاقة التموينية ) يتضح مما تقدم آنفا" أن المادة (31 /أ) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لم تعتمد معيار عدد نفوس العراق عند توزيع مقاعد مجلس النواب ولم تتطرق إلى ذلك وإنما سكتت عنها وان المادة (15/ثانيا") من قانون الانتخابات المشار إليه أعلاه اعتمدت عدد الناخبين المسجلين في كل محافظة حسب انتخابات (30/ كانون الثاني/ 2005) المعتمد على نظام البطاقة التموينية لذا فليس هناك ثمة تعارض بين نص المادة (15/ ثانيا" ) من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 وبين نص المادة (31/أ) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لذا يكون طلب وكلاء المدعية بالحكم بعدم دستورية المادة ( 15 / ثانيا" ) من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لا يستند على أساس قانوني سليم مما يقضي رده لذا قرر رده ,أما بخصوص طلبهم الوارد في عريضة الدعوى المتضمنة طلب الحكم بعدم دستورية المادة (15/ثانيا") من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لمخالفتها المادة 49 من الدستور النافذ فقد وجد أن المادة ( 49/أولا") من الدستور نصت ( بأنه يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه ) وحيث أن المادة (49/أولا") من الدستور اعتمدت معيار عدد نفوس العراق في الانتخابات بنسبة واحد لكل مائة ألف نسمة من سكان العراق بخلاف المعيار المعتمد في المادة ( 15/ ثانيا") من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 حيث اعتمدت معيار عدد الناخبين المسجلين في السجلات في كل محافظة وفقا" لما ذكر آنفا" لذا فان نص المادة (15/ثانيا") من قانون الانتخابات أصبح متعارضا" مع نص المادة (49/أولا") من الدستور وحيث أن المادة (13/ثانيا") من الدستور نصت على انه ( لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور ويعد باطلا" كل نص يرد في دساتير الأقاليم أو أي نص قانوني آخر يتعارض معه ) وان الفقرة (أولا") من المادة نفسها نصت بأنه ( يعد هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق ويكون ملزما" في أنحائه كافة وبدون استثناء ) لذا ولما تقدم أعلاه قررت المحكمة الحكم بعدم دستورية المادة (15/ثانيا") من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لتعارضها مع أحكام المادة (49/ أولا") من الدستور وللسلطة التشريعية تشريع نص جديد يكون موافقا" لأحكام المادة (49/أولا") من الدستور على أن لا يمس الإجراءات التي جرت بموجبها انتخابات المجلس النيابي الحالي في ظل قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ). ( ) المطلب الثاني : اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا تباينت اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , ودستور العراق الدائم حيث أن اختصاصات المحكمة في الدستور جاءت أوسع مما وردت في قانون أدارة الدولة وأوسع من قانون المحكمة النافذ حيث أضاف الدستور إليها تفسير النصوص الدستورية , والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء , والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب . ولغرض بيان اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا نقسم هذا المطلب إلى ثلاث فروع متتابعة : الفرع الأول : اختصاصات المحكمة في قانون إدارة الدولة الفرع الثاني : اختصاصات المحكمة في الدستور الدائم الفرع الثالث : حجية الأحكام الدستورية الفرع الأول : اختصاصات المحكمة في قانون إدارة الدولة بعد انتقال العراق إلى مرحلة جديدة وتبني الفدرالية كشكل للدولة وإقرار واقع إقليم كردستان في الوثيقة الدستورية المتمثلة بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية التي نصت مبادئها على الحقوق والحريات الأساسية , ولأجل ضمان عدم التجاوز على تلك الحقوق والنظر فيما يحصل من منازعات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان أو الأقاليم الأخرى والمحافظات والإدارات المحلية كان لابد من جهة تتولى مهمة الرقابة على شرعية القوانين وإلغاء ما يتعارض منها مع قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ( ). لذلك حدد قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر عام 2004 اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا في المادة 44 حيث نصت على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا : 1- الاختصاص ألحصري والأصيل في الدعاوى بين الحكومة العراقية الانتقالية وحكومات الأقاليم وإدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية . 2- الاختصاص ألحصري والأصيل , بناء" على دعوى من مدع أو بناء" على إحالة من محكمة أخرى في دعاوى بأن قانونا" أو نظاما" أو تعليمات صادرة عن الحكومة الاتحادية أو الحكومات الإقليمية أو إدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية لا تتفق مع هذا القانون. 3- تحديد الصلاحيات الاستئنافية التقديرية للمحكمة العليا الاتحادية بقانون اتحادي وقد أضاف النص انه إذا قررت المحكمة العليا أن قانونا" أو نظاما" أو تعليمات أو إجراء جرى الطعن به غير متفق مع هذا القانون فيعتبر ملغيا" . وقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في هذه الحالة أخذ بدعوى الإلغاء , ومن خلال التطبيقات القضائية للمحكمة الاتحادية العليا إنها لم تلغ النص المخالف للدستور بأثر رجعي وإنما من تاريخ صدور الحكم كما في حكمها بعدم دستورية المادة (15 / ثانيا" ) من قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لتعارضها مع أحكام المادة (49 / أولا") من الدستور الدائم لعام 2005 . هذا و تضع المحكمة الاتحادية العليا نظاما" لها بالإجراءات اللازمة لرفع الدعوى وللسماح للمحامين بالترافع أمامها وتقوم بنشره وتتخذ قراراتها بالأغلبية البسيطة ما عدا القرارات بخصوص الدعاوى المنصوص عليها في المادة (44/ب/1) التي يجب أن تكون بأغلبية الثلثين وتكون ملزمة ولها مطلق السلطة بتنفيذ قراراتها بضمن ذلك إصدار قرار بازدراء المحكمة وما يترتب على ذلك من إجراء. وعلى ذلك فان المحكمة تصدر قراراتها في الدعاوى الناشئة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم وإدارات المحافظات والبلديات والإدارات المحلية , حيث تصدر المحكمة قراراتها بأغلبية خاصة وهي الثلثين استثناءا. واستنادا" للمادة 44 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والقسم الثاني من ملحقه وبناءا" على موافقة مجلس الرئاسة أصدر مجلس الوزراء قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30 لسنة 2005) وعلى ضوء المادة 9 من قانون المحكمة الذي جاء فيه (( تصدر المحكمة الاتحادية العليا نظاما" داخليا" تحدد فيه الإجراءات التي تنظم سير العمل في المحكمة وكيفية قبول طلبات وإجراءات الترافع وما يسهل تنفيذ أحكام هذا القانون... )) وقد نص في المادة الرابعة من قانون المحكمة رقم (30 لسنة 2005)على اختصاصات المحكمة وهي : أولا" : الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية . ثانيا" : الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من أية جهة تملك حق إصدارها وإلغاء التي تتعارض منها مع أحكام قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ويكون ذلك بناء" على طلب من محكمة أو جهة رسمية أو من مدع بمصلحة . ثالثا" : النظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري . رابعا" : النظر بالدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية وينظم اختصاصها بقانون اتحادي . إن المحكمة الاتحادية العليا علاوة على ممارستها لاختصاصاتها التي حددت بالرقابة على دستورية القوانين والفصل في المنازعات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو بين الأقاليم فيما بينها أو بينها وبين المحافظات , فقد أنيط بها اختصاص آخر يتعلق بالطعن في الأحكام والقرارات التي تصدرها محكمة القضاء الإداري والتي تخضع للطعن أمام الهيئة التمييزية في مجلس شورى الدولة قبل صدور قانون المحكمة الاتحادية العليا بالأمر رقم (30 لسنة 2005) فالمحكمة الاتحادية العليا تمارس اختصاص محكمة التمييز بالنسبة للأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري , ويقدم الطعن في الأحكام والقرارات التي تصدرها محكمة القضاء الإداري بواسطة رئيس محكمة القضاء الإداري بعد استيفاء الرسم القانوني عنها وتسجل الدعوى حسب أسبقية ورودها في سجل خاص للقضايا التمييزية التي تخص القضاء الإداري , وتنظر المحكمة الاتحادية العليا بالطعن ويجوز لها عند الاقتضاء دعوة الخصوم للاستيضاح منهم عن بعض النقاط التي تروم الاستيضاح عنها . الفرع الثاني : اختصاصات المحكمة في دستور عام 2005 أورد دستور العراق لسنة (2005) اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا بشكل أوسع مما جاء في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 كما إن الاختصاص المتعلق بالنظر في الدعاوى المقامة أمام المحكمة بصفة استئنافية والواردة في المادة (4 / رابعا") من قانون المحكمة رقم (30 لسنة 2005) استبعد من اختصاصات المحكمة في ظل الدستور . والاختصاصات التي نص عليها الدستور في المادة 93 مايلي : أولا" : الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة . والمحكمة هنا تنظر في شرعية القوانين والأنظمة النافذة , وتكون رقابتها لاحقة ولا تنظر في مشروعات أو مقترحات القوانين قبل صدورها . وعلى ذلك فقد رفضت المحكمة اختصاصها في النظر بصحة التصويت على مشروع قانون تشكيل الأقاليم في العراق على الرغم من استناد المدعين الى نص المادة ( 52 /ثانيا" ) من الدستور التي نصت على انه (( يجوز الطعن في قرار المجلس أمام المحكمة الاتحادية العليا خلال ثلاثين يوما" من تاريخ صدوره )) في الواقع هذا البند متعلق بصحة عضوية أعضاء مجلس النواب ولا دخل له بإجراءات التصويت في مجلس النواب على مشاريع قوانين وفي ذلك ورد في الدعوى عدد (18 / اتحادية / 2006) بتاريخ (5 / 3 /2007) ( ادعى المدعي لدى المحكمة الاتحادية العليا أن مجلس النواب العراقي عقد جلسته الاعتيادية بتاريخ (11/ 10 /2006) وكان مدرجا" على جدول أعماله طرح مقترح مشروع ( قانون الأقاليم ) للتصويت عليه عملا" بنص المادة (118) من الدستور , وأن هيئة رئاسة مجلس النواب خالفت أحكام النظام الداخلي للمجلس بالمادة (24) منه وبدلالة المادة (23)ولم تلتزم بالآلية الواجب إتباعها عند عرض مقترحات مشاريع القوانين المطلوب التصويت عليها وفض النزاع بها من خلال أخذ رأي أعضاء المجلس بالتصويت , وهذه المخالفة سبقتها مخالفات أخرى منها تحديد حالة الطوارئ حين لم يتوفر النصاب القانوني للتصويت عليه , وان صيغة مقترح مشروع القانون المقدم للتصويت عليه بهذه الجلسة كان من الخطورة بمكان بحيث يوجب على هيئة الرئاسة أن تلتزم وبدقة بما ورد بأحكام النظام الداخلي للمجلس خاصة وان هذا المشروع قد أثير حوله جدل كثير وصاحبته معارضة من الكتل النيابية وذلك من طبيعة الإجراءات التي اتبعت لتبرير هذا القانون . وكان هنالك خرق آخر للمادة (136 ) من النظام الداخلي عندما تصرفت هيئة الرئاسة بتعدي منها على مشروع قانون تشكيل الأقاليم للتصويت عليه قبل يومين من المدة القانونية المنصوص عليها في المادة (136) من النظام الداخلي لمجلس النواب لان مدة الأربعة أيام التي نصت عليها المشار إليها تمثل الحد الأدنى لدمج المقترحات التي يتقدم بها أعضاء المجلس أثناء فترة المناقشة وهذه المدة تحتسب من تاريخ غلق النقاش على مقترح مشروع القانون وان هيئة الرئاسة قلصت هذه المدة ليومين خلافا" للنظام . وعليه والاختصاص ألحصري للمحكمة الاتحادية العليا للنظر بدستورية القوانين والأنظمة والإجراءات المتبعة في مجلس النواب طلب إلغاء وإبطال إجراءات التصويت على مشروع قانون تشكيل الأقاليم في العراق لان المبني على باطل فهو باطل علما" أن نصاب مجلس النواب من الحضور متوفرة فيه الأغلبية النسبية وهي ( النصف + 1 ) أي ( 138 + عضو واحد ) في حين أن الأغلبية المطلقة هي ( 184 + عضو واحد ) ومن ثم تحميل المدعى عليه بالإضافة لوظيفته الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة . بعد أن اتبعت المحكمة الإجراءات المنصوص عليها في الفقرة ( ثالثا") من المادة 1 والفقرة ( ثانيا") من المادة 2 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 أجرت المرافعة واستمعت لأقوال الطرفين وطلباتهم وأفهمت ختام المرافعة . دققت المحكمة الاتحادية العليا عريضة الدعوى والطلبات الواردة فيها واللوائح المتبادلة بين الطرفين ومستندات الدعوى فوجدت أن المدعي يطلب في عريضة الدعوى إبطال إجراءات التصويت على مشروع قانون تشكيل الأقاليم في العراق وقد أيد وكيل المدعي هذا الطلب بما ورد بلائحته المؤرخة 13/12/2006 والتي بين فيها انه يطعن بالآلية التي تم فيها إحصاء عدد الأصوات وأكد على ذلك بلائحته المؤرخة 5/ 3 / 2006 حيث بين أن طريقة عد الأصوات كان غير دقيق . وإذ أن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا محددة بأحكام المادة 4 من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 والمادة 93 من الدستور ولم يكن من بين هذه الأحكام صلاحية النظر في صحة التصويت والمبينة في البرلمان العراقي . وان ما أشار إليه وكيل المدعي بلائحته المؤرخة 5 / 2 / 2006 في ثانيا" منها من أن المحكمة الاتحادية العليا مختصة بموجب أحكام المادة (52 / ثانيا") من الدستور فان ما ذهب إليه غير صحيح إذ أن أحكام هذه المادة تتعلق بصحة عضوية أعضاء مجلس النواب وبينت في الفقرة أولا" منها أن مجلس النواب يبت في صحة عضوية أعضائه خلال ثلاثين يوما" وفي الفقرة ثانيا" منها بينت انه يجوز الطعن على هذا القرار ( أي قرار صحة العضوية من عدمها ) لدى المحكمة الاتحادية العليا وهذا لا يعني أن هذه المحكمة لها صلاحية النظر على صحة التصويت في مجلس النواب . ومن كل ما تقدم نجد هذه المحكمة أنها غير مختصة بنظر الدعاوى وان دعوى المدعي إضافة لوظيفته لا سند لها من القانون باختصاص هذه المحكمة بنظرها . فقرر رد دعوى المدعي إضافة لوظيفته وتحميله الرسوم)( ) ثانيا": تفسير نصوص الدستور لم يكن من بين اختصاصات المحكمة الاتحادية بموجب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , ولا في قانون المحكمة رقم 30 لسنة 2005 تفسير النصوص الدستورية , إلا أن الدستور الدائم في المادة 93 / ثانيا" منه أضاف هذا الاختصاص إلى اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا , وحسنا" فعل المشرع الدستوري عندما أضاف هذا الاختصاص إلى المحكمة وذلك تلافيا" لما قد يحدث من جدل حول تفسير نصوص الدستور , كما وان المادة 2 من الدستور المتعلقة بثوابت أحكام الإسلام , وتلك المتعلقة بالديمقراطية تحتاج إلى أن يناط بالمحكمة هذا الاختصاص , إضافة إلى ما يحدث مستقبلا" بشأن تنازع القوانين بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم وتوزيع إيرادات مصادر الثروات الطبيعية , كذلك فيما يتعلق بالحقوق والحريات , وخير من يقوم بهذه المهمة المحكمة الاتحادية العليا خصوصا" إذا كان الدستور اتحادي يمنح الحق إلى الأقاليم بتشكيل سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية , كما أن الدستور منح الأقاليم اختصاصات واسعة منها كما جاء في المادة ( 121 / ثانيا" ) حيث ورد (( يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم , في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية )) وهذا البند يكاد أن يكون فريدا" من نوعه في الدول الفدرالية حيث يغلّب قانون الإقليم على القانون الاتحادي . وعلى ضوء هذا البند الخاص بتفسير نصوص الدستور وبعد أن انتهى العمل بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 يجب أن يعدّل قانون المحكمة وكذلك النظام الداخلي للمحكمة تماشيا" مع ما قرره الدستور الدائم لعام 2005 , وهنا تقع مهمة تعديل القانون أو سن قانون جديد على عاتق مجلس النواب استنادا" إلى أحكام المادة 92 / ثانيا" من الدستور , وبما أن الدستور لم يكشف من له الحق طلب التفسير فقد أخذت طلبات التفسير تصل إلى المحكمة الاتحادية العليا من السلطات الدستورية , التشريعية والتنفيذية والقضائية , والمحكمة تستند في تفسيرها لنصوص الدستور إلى أحكام المادة 93 / ثانيا" منه . ومن التطبيقات القضائية للمحكمة الاتحادية العليا على ضوء المادة 93 / ثانيا" من دستور عام 2005 , قرار المحكمة رقم 227 / ت / 2006 بتاريخ 9 / 10 / 2006 بشأن طلب تفسير من مجلس النواب مفاده (هل يمكن إضافة كلمة ( العامة) إلى نهاية عبارة هيئة النزاهة الواردة في المادة ( 102) من الدستور , في قانون الهيئة و ما هي صلاحيات هيئة النزاهة وهل من بينها السلطة القضائية . واستنادا" إلى أحكام المادة ( 93 / ثانيا" ) من الدستور وضعت المحكمة الاتحادية العليا الاستفسار موضع التدقيق والمداولة وتوصلت إلى الرأي الآتي : (أولا"- لا يمكن إضافة كلمة ( العامة ) إلى نهاية عبارة هيئة النزاهة الواردة في المادة ( 102) من الدستور وذلك إلى قانون هيئة النزاهة عند تشريعه , لان نص المادة ( 102 ) من الدستور قد حدد الاسم ابتداء" ولا يجوز مخالفته ولان إضافة ( العامة ) إليه يشعر بوجود هيئتين ( هيئة النزاهة ) و ( هيئة النزاهة العامة ) . ثانيا"- حدد أمر تشكيل ( المفوضية العراقية المعنية بالنزاهة العامة ) رقم 55 لسنة 2004 اختصاصاتها وصلاحياتها وليس من بينها الصلاحيات التي تمس صلاحيات السلطة القضائية أو ممارسة اختصاصاتها ذلك أن السلطة القضائية مستقلة بموجب المادة ( 87) من الدستور وتدار من ( مجلس القضاء الأعلى ) كما هو منصوص عليه في المادة ( 90 ) من الدستور ولا يجوز لأية جهة التدخل في شؤونها استنادا" إلى أحكام المادة ( 88 ) من الدستور وأن هذه السلطة تدير نفسها بنفسها وفقا" للقانون , فإذا ما حاد أحد منتسبيها عن أداء مهامه فأن طرق الطعن القانونية في الأحكام والقرارات كفيلة بمعالجة ذلك , وبالإضافة لذلك تتولى الجهات الرقابية المرتبطة بمجلس القضاء الأعلى تشخيص أي خلل وتقديم مرتكبه إلى اللجان الانضباطية وإذا ما شكل هذا الخلل جريمة فانه يقدم إلى المحاكم الجزائية لينال عقابه وفي مقدمة هذه الجهات جهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي لذا لا يجوز لأي جهة أخرى وبضمنها هيئة النزاهة بسط صلاحياتها على السلطة القضائية لان ذلك يخل بمبدأ فصل السلطات الذي تبناه الدستور في المادة ( 47 ) منه ويصادر استقلال القضاء ويخل بحياده ويجعله رهين الجهة التي تريد بسط صلاحياتها عليه. )( ) ولابد لطلب التفسير من ضوابط تحدده بأن يكون النص المطلوب تفسيره قد أثار خلافا" في التطبيق وان يكون ذا أهمية تستدعي تفسيره تفسيرا" واحدا" تحقيقا" لوحدة تطبيقه وعليه يجب التقيد بضوابط التفسير ومراعاتها عند طلب تفسير نص دستوري وأهم هذه الضوابط ( ): 1- عدم جواز تقديم طلب التفسير بمناسبة منازعة مطروحة أمام القضاء لان ذلك يعد نزع للخصومة من قاضيها الطبيعي ومنع الخصوم من الدفاع عن وجهة نظرهم إذا تم التفسير في غيابهم حيث أن مثل هذا الطلب سيقوم من السلطة القضائية عند طلب المحكمة المختصة ذلك. 2- أن يكون النص قد أثار خلافا" فعليا" في التطبيق وظهرت بصدده وجهات نظر متباينة. ولا يقتصر تفسير المحكمة الاتحادية العليا لنصوص الدستور فقط وإنما يتعدى ذلك إلى تفسير نصوص القانون العادي . ومن التطبيقات القضائية للمحكمة الاتحادية العليا تفسير المادة ( 1 / سادسا" ) من قانون التقاعد رقم 27 لسنة 2006 طالب التفسير المقدم مجلس القضاء الأعلى عدد 67 / ت / 2006 بتاريخ 3 /5 / 2006. والذي جاء في رأي المحكمة (عرض مجلس القضاء الأعلى نص الفقرة ( سادسا" ) من المادة 1 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 التي تنص ( يحال الموظف المعين بمرسوم جمهوري أو بأمر من مجلس الوزراء على التقاعد بالكيفية التي تم تعينه فيها ) وطلب الرأي فيما إذا كانت هذه الفقرة تعطل أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم ( 498 ) في 12 / 7 / 1987 حيث خولت الفقرة ( أولا") منه( للوزير المختص ومن هو بدرجته إحالة أصحاب الدرجات الخاصة والمدراء العامون ومن هم بدرجتهم والموظفون الآخرون ممن يتم تعينهم بمرسوم جمهوري عدا ضباط الجيش وقوى الأمن الداخلي عند إكمالهم السن القانونية للإحالة على التقاعد , وفيما إذا كانت تعطل أحكام الفقرة ( خامسا") من قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم ( 691) في 1 /9 / 1987 التي خولت الوزير المختص ومن هو بدرجته صلاحية إحالة ممن ذكروا في الفقرة (أولا") من قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم ( 498 ) في 12 / 7 / 1978 على التقاعد بسبب عدم الصلاحية للخدمة المؤيدة بتقرير اللجنة الطبية المختصة . وفي الجلسة المنعقدة بتاريخ 30 / 4 / 2006 ناقشت المحكمة الاتحادية العليا الطلب ورجعت إلى النصوص المتقدم ذكرها وتوصلت إلى مايأتي : أن نص الفقرة سادسا" من المادة 1 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 ينصرف إلى حالات الإحالة على التقاعد في غير حالتي إكمال السن القانونية للإحالة على التقاعد وعدم صلاحية الموظف للخدمة المؤيدة بتقرير اللجنة المختصة من الحالات التي تلزم بإحالة الموظف على التقاعد بحكم القانون وبخلافه يستلزم الأمر اتخاذ إجراءات طويلة ومعقدة وبالتالي فان الفقرة ( سادسا") من المادة الأولى من قانون التقاعد الموحد لا تنصرف إلى هاتين الحالتين وتبقى صلاحية الإحالة على التقاعد بموجبهما للوزير المختص ولرئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة واتخذ القرار بالاتفاق ).( ) الفرع الثالث : حجية الأحكام الدستورية إن أحكام المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى الدستورية وقراراتها ملزمة لكافة سلطات الدولة كما ورد في المادة ( 94) من الدستور التي نصت على أن((قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة )). ولكن الإشكالية في تعارض نصوص الدستور التي تتقاطع فيما بينها خصوصا" المادة (61 / سادسا" / ب ) التي ذكرت إعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الحالات الآتية: 1- الحنث في اليمين الدستورية 2- انتهاك الدستور 3- الخيانة العظمى وهنا نورد بعض الملاحظات التي يجب الالتفات إليها : أولا" : إن هذا البند لا يتفق مع ما ذكرته المادة 94 من الدستور , والسؤال هنا كيف تكون قرارات المحكمة باتة وملزمة للسلطات كافة إذا كان إعفاء رئيس الجمهورية بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا يخضع لتصويت أعضاء مجلس النواب ؟ ففي هذه الحالة لا تكون قرارات المحكمة ملزمة للسلطات كافة في الدولة , وعليه على المشرع أن يزيل هذا التعارض بين المادة ( 61 / سادسا" / ب ) والمادة 94 من الدستور , وفي حالة إبقاء النص على ما هو عليه يكون لمجلس النواب سلطة إلغاء الأحكام التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا وهذا مخالف لأحكام المادة 94 من الدستور. ثانيا" : ورد في المادة ( 121 / ثانيا" ) من الدستور التي نصت على انه (( يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم , في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية )) . وهنا نجد عبارة تعديل تطبيق القانون الاتحادي تعني الإلغاء جزئيا" أو كليا", وان ممارسة سلطة الإلغاء منوط بالمحكمة الاتحادية العليا دون غيرها حيث تتولى الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية كما نصت عليه المادة (93/ ثالثا") من الدستور , وبما أن القانون الاتحادي أعلى مرتبة من قانون الإقليم استنادا" إلى مبدأ تدرج التشريع في الفقه الدستوري والتنازع الذي يحصل بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم تفصل فيه المحكمة الاتحادية العليا وليس سلطة الإقليم , وفي هذه الحالة سنكون أمام تجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وعلى قاعدة مبدأ تدرج التشريع وعليه لابد للمشرع أن يعالج هذه المسألة التي تضعف من سلطة الحكومة الاتحادية وتتجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا . إذ أن المادة ( 121 / ثانيا" ) تتجه نحو الكونفدرالية أكثر منها إلى الفدرالية , ومن الضرورات أن يلغى البند ثانيا" من المادة 121 من الدستور لسببين , السبب الأول لتقوية سلطة الحكومة الاتحادية , والثاني عدم التجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا. فان بقاء هذه النصوص على حالها سوف تثير الجدل في القضاء الدستوري العراقي مستقبلا" حول حجية الأحكام الدستورية التي لا يجوز الطعن بها أو نقضها بأي حال من الأحوال , وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الاتحادية العليا في المادة ( 5 / ثانيا" ) من قانونها رقم 30 لسنة 2005 التي نصت على أنه((الأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا باتة )) المطلب الثالث : إجراءات رفع الدعوى الدستورية وشروطها بينا إن التنظيم الدستوري للرقابة على دستورية القوانين في ظل قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 ودستور العراق لعام 2005 مورست بطريقة الدعوى المباشرة ( دعوى الإلغاء ) وطريقة المزج بين طريقة الدفع الفرعي والدعوى الأصلية أو المباشرة. وعلى الرغم من أن تجربة القضاء الدستوري العراقي تجربة قصيرة إلا أنها غنية بقضائها وقضاتها الذين لهم باع طويل في القضاء العراقي . وبعد أن بينا تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية واختصاصاتها , يتعين علينا أن نتعرف على إجراءات رفع الدعوى الدستورية أمام المحكمة الاتحادية العليا . فقد أجاز النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 حق التقدم بالدعاوى إلى ثلاث جهات ( الخصم أمام محكمة الموضوع , والجهات الرسمية, والأفراد الطبيعية والمعنوية ) . ولغرض التعرف على إجراءات رفع الدعوى في النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا نتناول هذا المطلب في ثلاث فروع نتناول في الفرع الأول: إجراءات رفع الدعوى أمام محكمة الموضوع والفرع الثاني: شروط الطعن أمام المحكمة, وأخيرا" إجراءات الفصل في الطلبات والطعون . الفرع الأول : إجراءات رفع الدعوى أمام محكمة الموضوع لابد للطعن أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية نص من توفر الشروط التالية : أولا": أن تكون هناك دعاوى قائمة ومعروضة أمام محكمة الموضوع والمقصود بمحكمة الموضوع ( أي من المحاكم العراقية على اختلاف أنواعها ودرجاتها عدا محكمة التمييز وذلك لأنها تنحصر في الإجراءات التدقيقية لأوراق الدعوى دون حضور الخصوم إلا للاستيضاح دون المرافعة ) ثانيا": أن يدفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى بعدم شرعية النص دستوريا" الذي سيطبق على واقعة الدعوى . ثالثا : تقدم الدعوى من قبل الخصوم بناءا" على تكليف محكمة الموضوع له. رابعا": أن تقدم الدعوى بواسطة محام ذي صلاحية مطلقة. خامسا": أن يدفع الرسم القانوني المقرر وفق قانون الرسوم العدلية. سادسا": أن يبين الخصم النص التشريعي المطعون بمخالفته للدستور ونص الدستور المدعي لمخالفته ( ) ويقدم موضوع المنازعة بدعوى وفق الإجراءات التالية : أولا" : على المدعي عند تقديم عريضة دعواه أن يرفق بها نسخا" بقدر عدد المدعى عليهم وقائمة بالمستندات ويجب عليه أن يوقع هو أو وكيله على كل ورقة من الأوراق المقدمة مع إقراره بمطابقتها للأصل . ثانيا" : لا تقبل عريضة الدعوى إذا لم ترفق بها المستندات المنصوص عليها في الفقرة أولا" من المادة (15) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا ثالثا" : تؤشر عريضة الدعوى من رئيس المحكمة أو من يخوله ويستوفي الرسم عنها وتسجل في السجل الخاص وفقا" لأسبقية تقديمها ويوضع عليها ختم المحكمة وتاريخ التسجيل ويعطى المدعي وصلا" موقعا" عليه من الموظف المختص يبين فيه رقم الدعوى وتسجيلها . وعند إكمال إجراءات دعوى المدعي ثالثا" : تؤشر عريضة الدعوى من رئيس المحكمة أو من يخوله ويستوفي الرسم عنها وتسجل في السجل الخاص وفقا" لأسبقية تقديمها ويوضع عليها ختم المحكمة وتاريخ التسجيل ويعطى المدعي وصلا" موقعا" عليه من الموظف المختص يبين فيه رقم الدعوى وتسجيلها . وعند إكمال إجراءات دعوى المدعي: أولا" : تبلغ عريضة الدعوى ومستنداتها إلى الخصم ويلزم الإجابة عليها تحريريا" خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما" من تاريخ التبليغ. ثانيا" : لا يعين موعد للمرافعة في الدعوى إلا بعد إكمال التبليغات وإجابة الخصم عليها أو مضي المدة المنصوص عليها في الفقرة أولا" من المادة 2 وفي هذه الحالة لا يقبل من الخصم طلب تأجيل الدعوى لغرض الإجابة . وأجاز النظام الداخلي للمحكمة إجراء التبليغات في مجال اختصاصها بوساطة البريد الالكتروني والفاكس والتلكس إضافة لوسائل التبليغ الأخرى المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية ( ) ومن الجدير بالذكر أن النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1 لسنة 2005) قد نص على أن يطبق قانون المرافعات المدنية إذا لم يرد نص خاص في قانون المحكمة وفي نظامها الداخلي فقد جاء في نص المادة (19) من النظام الداخلي للمحكمة (( تطبق أحكام قانون المرافعات المدنية رقم (83 لسنة 1969) وقانون الإثبات رقم (107 لسنة 1979) فيما لم يرد نص خاص في قانون المحكمة الاتحادية العليا في هذا النظام )) وذكرت المادة 6 من النظام الداخلي (( إذا طلب مدع الفصل في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي في نظام أو تعليمات أو أمر فيقدم الطلب بدعوى مستوفية للشروط المنصوص عليها في المواد ( 44 و 45 و 46 و 47 ) من قانون المرافعات المدنية ...)) ومن هذه الشروط ما ورد في المادة 44 من قانون المرافعات المدنية رقم (83 لسنة 1969) التي تنص على مايلي: 1- كل دعوى يجب أن تقام بعريضة. 2- يجوز الادعاء بعريضة واحدة بحق عيني على عدة عقارات إذا اتحد السبب والخصوم . 3- يجوز الادعاء بعريضة واحدة بعدة حقوق شخصية وعينية منقولة . 4- يجوز أن تتضمن الطلبات المكملة للدعوى أو المترتبة عليها أو المتفرعة منها 5- إذا تعدد المدعون وكان في ادعائهم اشتراك أو ارتباط جاز لهم إقامة الدعوى بعريضة واحدة . 6- إذا تعدد المدعى عليهم واتحد سبب الادعاء أو كان الادعاء مرتبطا" جاز إقامة الدعوى عليهم بعريضة واحدة. في حين أوضحت المادة (46) البيانات التي اشترطت توفرها في عريضة الدعوى من شأنها أن تجعل الخصم في الدعوى على بينة كافية بكل ما يتعلق بالنزاع المنظور من قبل المحكمة التي رفعت الدعوى إليها وأن كانت هذه البيانات من البيانات الشكلية وان أي نقص أو غموض فيها , يلزم المدعي بإكماله خلال مدة مناسبة وإلا تبطل الدعوى بقرار من المحكمة إذا كان هذا النقص أو الغموض من شأنه أن يجهل المدعى به أو المدعى عليه أو المحل أو المختار لغرض التبليغ وهي كما ورد النص . 1- اسم المحكمة التي تقام الدعوى أمامها . 2- تاريخ تحرير العريضة . 3- اسم وكيل من المدعي والمدعى عليه ولقبه ومهنته ومحل إقامته , فان لم يكن للمدعى عليه محل إقامة معلوم فآخر محل كان فيه . 4- بيان المحل الذي يختاره المدعي لغرض التبليغ . 5- بيان موضوع الدعوى فان كان منقولا" ذكر جنسه ونوعه وقيمته وأوصافه وان كان عقارا" ذكر موقعه وحدوده ورقمه أو تسلسله . 6- وقائع الدعوى وأدلتها وطلبات المدعي وأسانيده . 7- توقيع المدعي أو وكيله إذا كان الوكيل مفوضا" بسند مصدق عليه من جهة مختصة . الفرع الثاني : شروط الطعن أمام المحكمة تختلف شروط رفع الدعوى أمام المحكمة الاتحادية عند الطعن في دستورية القوانين حسب الجهة الطاعنة ووفقا لما يلي : أولا" : الطعن من قبل الجهات الرسمية إذا طلبت إحدى الجهات الرسمية , بمناسبة منازعة قائمة بينها وبين جهة أخرى , الفصل في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي أو نظام أو تعليمات أو أمر, فترسل الطلب بدعوى إلى المحكمة الاتحادية العليا , معللا" مع أسانيده , وذلك بكتاب بتوقيع الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة ( ) يجب أن تتوفر الشروط التالية في الدعوى التي تقدمها الجهات الرسمية ضد أي جهة أخرى والتي قد تكون رسمية أو غير رسمية : 1- أن يكون هناك منازعة قائمة بين الجهات الرسمية المدعية وبين الجهة الأخرى . 2-يجب أن تكون الدعوى معللة بالأسانيد أي ذكر النص التشريعي المطعون بمخالفته للدستور والنص الدستوري المدعي بمخالفته معززا" بالأسانيد . 3- أن ترسل الدعوى بكتاب موقع من الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة. 4- أن تكون الدعوى مستوفية للشروط الواردة في المواد ( 44 و 45 و 46 و 47) من قانون المرافعات المدنية رقم (83 لسنة 1969) 5- أن تقدم الدعوى من قبل محام بموجب وكالة أو من قبل الممثل القانوني للجهة الرسمية على أن لا تقل درجته الوظيفية عن مدير . وعليه يجب أن تكون الوكالة المعطاة من المستدعي تخوله صراحة مخاصمة الجهة الإدارية التي أصدرت القرار وإلا فان الدعوى تكون مستوجبة الرد شكلا" وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا برد دعوى تقدم بها ممثل رئيس ديوان الوقف السني إضافة لوظيفته لان عريضة الدعوى موقعة من شخص لا صفة قانونية له بتوقيعها فورد في حكمها عدد 14 / اتحادية / 2006 بتاريخ 11/ 10/ 2006 ( لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد إن التوقيع المنسوب إلى المدعي في عريضة الدعوى يختلف عن التوقيع المنسوب إليه في الوكالة العامة المرقمة ( 5/4/ 2439) في 9/8/ 2006 الصادرة من رئاسة ديوان الوقف السني / الدائرة القانونية / الموقعة من قبل رئيس الديوان وحيث إن وكيل المدعي أوضح للمحكمة بان السبب يعود إلى التوقيع المذيل في عريضة الدعوى المنسوب إلى المدعي موقع من قبل معاون رئيس ديوان الوقف السني (ي.ع) وعليه وحيث إن عريضة الدعوى موقعة من شخص لا صفة قانونية له بتوقيعها فتكون الدعوى مقامة من شخص لا يملك حق إقامتها وتكون خصومته غير موجهة وإذا كانت الخصومة غير موجهة تحكم المحكمة ولو من تلقاء نفسها برد عريضة الدعوى قبل الدخول في أساسها وذلك عملا" بالمادة ( 80/1) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل لذا قررت المحكمة الحكم برد الدعوى مع تحميل المدعي إضافة لوظيفته كافة مصاريفها ) ( ) ثانيا :الطعن من قبل الأشخاص الطبيعية والمعنوية : إذا طلب مدع الفصل في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي في نظام أو تعليمات أو أمر فيقدم الطلب بدعوى مستوفية للشروط المنصوص عليها في المواد ( 44 و 45 و 46 و 47 ) من قانون المرافعات المدنية ويلزم أن تقدم الدعوى بوساطة محام ذي صلاحية مطلقة وأن تتوفر في الدعوى الشروط الآتية : 1- الاستعانة بمحام : اشترط المشرع العراقي لقبول دعوى إلغاء قانون غير دستوري توقيعها من محام لضمان جدية الطعن الدستوري وموضوعيته وعدم إشغال المحكمة بطعون غير موضوعية وان تكون صلاحية هذا المحامي مطلقة. 2- اسم الشخص و مركزه القانوني أو المالي أو الاجتماعي . وصفته ومحل إقامته سواء أكان الطاعن فردا" أو شخصا" من أشخاص القانون الخاص , ويجوز أن يقدم مجموعة من الأفراد أو الأشخاص طلبا" في دعوى واحدة إذا كان هناك صلة في الموضوع . 3- أن يقدم المدعي الدليل على أن ضررا" واقعيا" قد لحق به من جراء التشريع المطلوب إلغاؤه . موضوع الطلب وبيانا" بالمستندات الخطية التي يستند إليها المستدعي في إثبات دعواه , والمصلحة هي شرط لقبول أي دعوى قضائية حيث أن من المبادئ الرئيسية للتقاضي انه لا دعوى بلا مصلحة , ولما كانت دعوى الإلغاء في الوقت الحاضر هي دعوى قضائية خالصة فأنه يشترط لقبولها أن يكون للمدعي فيها مصلحة في إقامتها مع اختلاف درجة المصلحة في دعوى الإلغاء عنها في سائر الدعاوى الأخرى إدارية كانت أو مدنية . وهكذا فان مجلس الدولة الفرنسي ومنذ تحوله إلى جهة قضائية وبالرغم من عدم وجود نصوص تشريعية تتعلق بالمصلحة فانه يعتبرها شرط أساسي لقبول الدعوى غير أن المشرع العراقي لم يستلزم المصلحة وحدها كأساس للدعوى وإنما تطلب أن يصاب الطاعن بضرر واقعي وأن يكون الضرر مباشرا" مستقلا" بعناصره ويمكن إزالته إذا ما صدر حكم بعدم شرعية التشريع المطلوب إلغاؤه , وأن لا يكون الضرر نظريا" أو مستقبليا" أو مجهولا" , والمصلحة المباشرة يقصد بها أن تكون محسوسة وقائمة أي أن يؤثر فيها القرار تأثيرا" مباشرا". 4- أن لا يكون المدعي قد استفاد بجانب من النص المطلوب إلغاؤه . ولا نرى إن هذا الشرط سليم أو منطقي فقد يوفر القانون في جانب منه بعض المزايا غير أنه يبقى مع ذلك مخالفا" للدستور , ومن المصلحة العامة إلغاؤه. 5- أن يكون النص المطلوب إلغاؤه قد طبق على المدعي فعلا" أو يراد تطبيقه عليه ( ) الفرع الثالث : إجراءات الفصل في الطلبات والطعون تتميز إجراءات رفع دعوى إلغاء القوانين غير الدستورية بأنها مستقلة عن إجراءات رفع الدعاوى الأخرى المنصوص عليها في قانون المرافعات وهي بهذا لا تشكل استثناء" عن هذه الإجراءات بقدر ما تمثل نظاما" مستقلا" وأساسيا" لا يعتد فيه القاضي بضرورة الرجوع إلى قانون المرافعات إلا في حالة عدم وجود النص ويستمد القاضي سلطته هذه من طبيعة المنازعات الدستورية . تحضير الدعوى: بعد اكتمال التبليغات تعين المحكمة موعدا" للمرافعة وتهيئة الدعاوى إلي ترسل إليها ((... من محكمة القضاء الإداري إلى المحكمة الاتحادية العليا بواسطة رئيس محكمة القضاء الإداري الذي يقوم بالتأشير عليه واستيفاء الرسم القانوني عنه ويرفعه مع اضبارة الدعوى إلى المحكمة الاتحادية العليا )) ( ) أما بالنسبة للدعاوى التي ترفع أمام المحكمة بدعوى مباشرة فإنها (( تسجل حسب أسبقية ورودها ...))( ) يدعو رئيس المحكمة أعضائها للانعقاد قبل الموعد المحدد بمدة لا تقل عن خمسة عشر يوما" إلا في الحالات المستعجلة وحسب تقدير رئيسها .ويرفق بكتاب الدعوى جدول الأعمال وما يتعلق به من وثائق . ( ) هذا و تنظر المحكمة في المنازعة ولو لم يحضر الخصوم بعد أن تتحقق من صحة تبلغهم بموعد المرافعة وتنظر المحكمة المنازعات في جلسة علنية إلا إذا قررت أن تكون الجلسة سرية إذا كان ذلك ضروريا" مراعاة المصلحة العامة أو النظام العام أو الآداب العامة وبقرار من رئيسها , أما إذا كانت المحكمة تنظر الطعن بأحكام وقرارات محكمة القضاء الإداري بإجراء التدقيقات لأوراق الدعوى دون أن تجمع الطرفين ولها عند الاقتضاء دعوة الخصوم للاستيضاح منهم عن بعض النقاط التي تروم الاستيضاح عنها . وللمحكمة أن تجري ما تراه من تحقيقات في المنازعات المعروضة عليها أو تندب لذلك أحد أعضائها ولها طلب أوراق أو بيانات من الحكومة أو أية جهة أخرى للاطلاع عليها ولها عند الضرورة أن تأمر بموافاتها بهذه الأوراق أو صورها الرسمية حتى لو كانت القوانين والأنظمة لا تسمح بالاطلاع عليها أو تسليمها ( ) هذا و للمحكمة أن تكلف الادعاء العام بإبداء الرأي في موضوع معروض أمامها وعلى الادعاء العام إبداء رأيه تحريريا" خلال المدة التي تحددها المحكمة . وعند النطق بالحكم أو القرار يجب أن تودع مسودته في اضبارة الدعوى بعد التوقيع عليها , ويلزم أن يكون الحكم والقرار مشتملا" على أسبابه (*) , فأن لم يكن بالإجماع أرفق الرأي المخالف مع أسبابه . والأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة باتة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن. ( ) ( الخاتمة ) في خاتمة هذه الرسالة التي سلطنا فيها الضوء على واقع حال الرقابة على دستورية القوانين خلصنا إلى إن تبني الرقابة السياسية أو الرقابة القضائية في بلد ما مسألة تتوقف على ظروف كل بلد , فلا يجوز أن نقيس بلد تختلف ظروفه عن فرنسا ذلك البلد العريق في الديمقراطية وننقل عنه نظام المجلس الدستوري . إن اختيار النظام الملائم لكل بلد هو مؤشر نجاح أو فشل ذلك النظام , فالبلدان المتقدمة التي مارست الديمقراطية المتقدمة تمتلك مؤسسات دستورية قوية ورأي عام فعال وبالتالي فان المجتمع يسير إلى حد كبير بطريقة سليمة ولو لم توجد لديه محكمة دستورية , أما البلدان النامية حيث الرأي العام ضعيف أو معدوم وحيث المؤسسات الدستورية هشة وحيث السلطة التنفيذية متسلطة فانه لا يلائمها لرقابة الدستورية إلا وجود محكمة دستورية تشكل جزءا" من سلطة قضائية تقف على قدم المساواة من السلطتين التشريعية والتنفيذية. إن ترجيحنا للرقابة القضائية على الرقابة السياسية , كون الأولى تجيز للأفراد الطعن بعدم دستورية قانون ما , أما الأخيرة فإنها لا تجيز ذلك , وهذا ما جعلها في موضع انتقاد من الفقه والقضاء الدستوري , ونعتقد إن حق الفرد في الطعن بعدم الدستورية أحد الركائز التي تقوم عليها ضمانات حقوق الإنسان. ومن هذا المنطلق بحثنا في الرقابة على دستورية القوانين في العراق وواقعها الفعلي والدستوري في الماضي والحاضر, وضرورة تمتع السلطة القضائية بالاستقلالية لغرض ممارسة مهامها على رقابة دستورية القوانين نشير إلى جملة من النتائج التي ترشحت منها لكي يتسنى من خلالها معالجة وضع القضاء العراقي في المستقبل ولما يؤول إليه القضاء الدستوري أثناء ممارسته الرقابة على دستورية القوانين بعد أن كان مقيدا" من ممارسة هذا الحق في ظل الأنظمة الشمولية التي جعلت من السلطة القضائية مرفقا" وجزءا" من سلطة تنفيذية مقيدة بأيديولوجية حزبية وسياسية خاضعة لتعليمات وتوجيهات السلطة آنذاك فضلا" عن عدم وجود فصل للسلطات بشكل متوازن مما أثر بصورة مباشرة على حركة وإبداع القضاء العراقي وعدم قدرته على إلغاء القوانين والقرارات والأوامر التي طالما كانت تتعارض مع الدستور , وفي أحيان أخرى تنتهك حقوق وحريات المواطنين , وتعدّي على كرامة الإنسان العراقي , وان كان ذلك يعود إلى ما تمارسه السلطة من أعمال حكومية خارجة عن سلطة القضاء , كما أن القضاء العراقي لم يجرؤ على ممارسة رقابة دستورية القوانين , وسبب ذلك يعود أيضا" إلى النقص الدستوري حيث لم ينص على إنشاء محكمة دستورية تقوم بهذه المهمة باستثناء القانون الأساسي الصادر عام 1925 , ودستور عام 1968 الذي ذكر إنشاء المحكمة الدستورية العليا لكنها لم تمارس المهام الموكلة إليها . وبما أن استقلال القضاء يلعب دورا" فاعلا" في تنظيم دولة القانون , بل انه يدخل شرطا" أساسيا" في أحد عناصرها المكونة لها , ولا يمكن الحديث عن رقابة دستورية القوانين مؤثرة ما لم يكن القضاء مستقل وغير مقيد أو تابع إلى السلطة التنفيذية . وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في 9 / 4 / 2003 شهد القضاء العراقي عهدا جديدا تميز بالسعي نحو استقلال القضاء حيث سلك المشرع انطلاقا" من مبدأ الفصل بين السلطات الذي اعتبر القضاء سلطة وليس مرفقا" كما ابعد القضاة من الضغوط والتدخل في شؤونهم من أية سلطة أو جهة سواء كانت سياسية أو حزبية أو اجتماعية , فلا سلطان عليهم لغير القانون . وهي توسعة محمودة سلكها المشرع الدستوري. وبعد أن تم إنشاء المحكمة الاتحادية العليا بموجب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , وأضاف إليها دستور العراق لعام 2005 اختصاصات أوسع مما ورد ذكرها في القانون, بقيت بعض المشاكل واجبة البحث والرعاية اشرنا إليها في هذه الدراسة لابد من إيجاد الصيغ العلاجية ووضع الحلول والمقترحات الخاصة بها ومنها على وجه الخصوص نوجزها بما يلي: أولا": إن موضوع استقلال القضاء الذي ورد في أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 35 لسنة 2003 بشأن إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى , وقانون إدارة الدولة لعام 2004 , ودستور عام 2005 قد تم معالجة موضوع استقلال القضاء العادي دون القضاء الإداري الذي بقي تابعا" إلى السلطة التنفيذية , وكنا نتمنى على المشرع أن يفك ارتباط محكمة القضاء الإداري عن مجلس شورى الدولة ويجعلها من ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى . ثانيا" : ورد في المادة (94) من الدستور أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة ومن ثم فان أحكام المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى الدستورية وقراراتها ملزمة لكافة سلطات الدولة, غير إن ذلك يتعارض مع نصوص أخرى للدستور ومن ذلك نص المادة (61 / سادسا" / ب) التي تتعلق بإعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الحالات الآتية: 1- الحنث في اليمين الدستورية 2- انتهاك الدستور 3- الخيانة العظمى إن هذا البند لا يتفق مع ما ذكرته المادة (94) من الدستور , إذ كيف تكون قرارات المحكمة باتة وملزمة للسلطات كافة إذا كان إعفاء رئيس الجمهورية بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا يخضع لتصويت أعضاء مجلس النواب , ففي هذه الحالة لا تكون قرارات المحكمة ملزمة للسلطات كافة , وتأسيسا" على ذلك على المشرع أن يزيل هذا التعارض بين المادة ( 61/سادسا"/ ب ) والمادة (94) من الدستور . ثالثا : ورد في المادة ( 121 / ثانيا") من الدستور انه يحق لسلطة الأقاليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية , وعبارة تعديل تطبيق القانون الاتحادي قد تعني الإلغاء جزئيا أو كليا , ولا يخفى أن ممارسة سلطة الإلغاء منوط بالمحكمة الاتحادية العليا دون غيرها حيث تتولى الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية , كما نصت عليه المادة ( 93 / ثالثا") والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية , وبما أن القانون الاتحادي أعلى مرتبة من قانون الإقليم استنادا" إلى مبدأ تدرج التشريع في القانون الدستوري . والتنازع الذي يحصل بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم تفصل فيه المحكمة الاتحادية العليا , وعليه لابد للمشرع أثناء تعديله لنصوص الدستور أن يعالج هذه المسألة التي تضعف من سلطة الحكومة الاتحادية وتجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا . ومن المهم أن يعاد النظر في البند ثانيا" من المادة (121) لسببين , السبب الأول تقوية سلطة الحكومة الاتحادية , إما الثاني فيتمثل في عدم التجاوز على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا , وإذا بقيت هذه النصوص على حالها ستؤدي إلى إشغال القضاء الدستوري العراقي بالكثير من القضايا مستقبلا . رابعا : بصدور دستور عام( 2005) تمت إضافة اختصاصات إلى المحكمة الاتحادية العليا استنادا" لحكم المادة (93) من الدستور وحذفت اختصاصات أخرى مما يقتضي تعديل قانون المحكمة رقم (30 لسنة 2005) ونظامها الداخلي رقم (1 لسنة 2005) الذي صدر في ظل قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام( 2004) وأصبح من اللازم إعادة النظر فيه بانتهاء العمل بالقانون المذكور . قائمة المصادر والمراجع أولا": الكتب المقدسة 1- القرآن الكريم ثانيا": الإعلانات والمعاهدات والاتفاقيات 1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول / ديسمبر عام 1948 . 2- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 . 3- الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن الجامعة العربية عام 2004. 4- مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1985 . ثالثا": الدساتير أ- الدساتير الأجنبية 1- دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 . 2- الدستور الايطالي لعام 1947 . 3- دستور الصين لعام 1954 . 4- الدستور الفرنسي لعام 1958 . 5- الدستور التركي لعام 1961 . 6- دستور اليابان لعام 1963 . 7- دستور ألمانيا الديمقراطية لعام 1968 . 8- دستور الاتحاد السوفيتي لعام 1977 . 9- الدستور الإيراني لعام 1979. ب- الدساتير العربية 1- الدستور الأردني لعام 1952. 2- الدستور الكويتي لعام 1961 . 3- الدستور المصري لعام 1971 . 4- الدستور السوري لعام 1973 . 5- دستور السودان لعام 1998 . ت- الدساتير العراقية ومشاريعها 1- القانون الأساسي لعام 1925 . 2- دستور الاتحاد العربي بين العراق والأردن الصادر في29/3 /1958 . 3- دستور عام 1958 المؤقت. 4- دستور عام 1963 المؤقت. 5- دستور 29 نيسان عام 1964 المؤقت . 6- دستور عام 1968 المؤقت . 7- دستور 16 تموز لعام 1970المؤقت . 8- مشروع دستور جمهورية العراق لعام 1990 . 9- قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004 . 10- دستور جمهورية العراق لعام 2005 . رابعا": القوانين: أ- القوانين العربية 1- قانون المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم 48 لسنة 1979 . 2- قانون المجلس الدستوري اللبناني رقم 250 لسنة 1993 المعدل بالقانون رقم 150 لسنة 1999 . ب- القوانين العراقية: 1- قانون الحكام والقضاة رقم 31 لسنة 1929 . 2- قانون الطائفة الإسرائيلية رقم 77 لسنة 1931 . 3- قانون السلطة القضائية رقم 26 لسنة 1963 . 4- قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 159 لسنة 1968 . 5- قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل. 6- قانون إصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنة 1977 . 7- قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 . 8- قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل . 9- قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل . خامسا": الأوامر 1- أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 35 لسنة 2003 بشأن إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى . 2- قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 . 3- النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 . سادسا": الكتب أ- الكتب العربية 1- احمد عبد القادر الجمال – النظم الدستورية العامة في ضوء الاتجاهات الحديثة – 1953- بدون مطبعة 2- د. آدم وهيب النداوي ود. هاشم الحافظ – تاريخ القانون – بيت الحكمة – بغداد 1988 . 3- د. آدم وهيب النداوي – المرافعات المدنية – مديرية دار الكتب للطباعة والنشر – جامعة الموصل 1988 . 4- د. إحسان حميد ألمفرجي – نظرية الدستور – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي - العراق 1990. 5- د. احمد عبيد الكبيسي – الأحوال الشخصية – الجزء الأول – بدون مطبعة وسنة طبع . 6- د. إسماعيل مرزة – مبادئ القانون الدستوري والعلم السياسي- 1960 بدون مطبعة. 7- د. إسماعيل مرزة – مبادئ القانون الدستوري والعلم السياسي – دار الفنون للآداب والنشر- الطبعة الثالثة 2004 . 8- د. إبراهيم عبد العزيز شيحا- المبادئ الدستورية العامة – الدار الجامعية للطباعة والنشر – بيروت – 1982 9- د. إبراهيم عبد العزيز شيحا- النظم السياسية والقانون الدستوري- منشأة المعارف بالإسكندرية 2000 10- د. ثروت بدوي- القانون الدستوري وتطور الأنظمة الدستورية في مصر-1971- بدون مطبعة. 11- د. حسان محمد شفيق العاني – الأنظمة السياسية والدستورية المقارنة- مطبعة جامعة بغداد 1986. 12- د. خليل هيكل- القانون الدستوري والأنظمة السياسية-1983 بدون مطبعة. 13- خليل الهندي وأنطوان الناشف – المجلس الدستوري في لبنان – المؤسسة الحديثة للكتاب – طرابلس – لبنان 1998 . 14- د. رعد ناجي الجدة – النظام الدستوري في العراق – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي – العراق 1990 15- د. زهير المظفر – القانون الدستوري والمؤسسات السياسية – مركز البحوث والدراسات الإدارية – تونس-ج1 بدون سنة طبع. 16- سمير خيري توفيق – مبدأ سيادة القانون – دار الحرية للطباعة – بغداد 1981. 17- د. سليمان الطماوي- السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر السياسي الإسلامي – ط2-مطبعة جامعة عين شمس-1986 18- سلوان رشيد سنجاري- القانون الدولي لحقوق الإنسان ودساتير الدول- جامعة الموصل - 2004 19- د. سامي جمال الدين – القانون الدستوري والشرعية الدستورية – منشأة المعارف بالإسكندرية – الطبعة الثانية 2005 . 20- د. صالح جواد الكاظم ود. علي غالب العاني – الأنظمة السياسية- كلية القانون- جامعة بغداد 1991. 21- آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي – السياسة من واقع الإسلام - مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر – بيروت – لبنان -الطبعة الرابعة – 2003. 22- د. طعيمة الجرف – نظرية الدولة والأسس العامة للتنظيم السياسي - القاهرة 1964. 23- د. عثمان خليل- المبادئ الدستورية العامة-1956 – بدون مطبعة 24- د. عبد الحميد متولي- القانون الدستوري والأنظمة السياسية – 1966- بدون مطبعة. 25- عبد الباقي البكري وزهير البشير – المدخل لدراسة القانون – بيت الحكمة بدون سنة طبع . 26- د. عبد الغني بسيوني عبد الله – المبادئ العامة للقانون الدستوري- مطبعة الدار الجامعية - 1985 27- د. عبد الغني بسيوني عبد الله – النظم السياسية والقانون الدستوري – مطبعة الدار الجامعية – 1992 . 28- د. عبد الفتاح ساير – القانون الدستوري – مطابع دار الكتاب العربي بمصر الطبعة الثانية 2004. 29- د. علي خطار شظاوي- موسوعة القضاء الإداري – الجزء الأول – دار الثقافة للنشر والتوزيع – عمان – 2004 30- القاضي فتحي عبد الرضا الجواري – دور نظام الحسبة الشرعية وجهاز الادعاء العام في حماية الهيئة الاجتماعية – بيت الحكمة – العراق – بغداد – الطبعة الأولى 2002 . 31- فاروق الكيلاني – استقلال القضاء – دار النهضة العربية – القاهرة- الطبعة الأولى 1977. 32- د. فاروق عبد البر – دور المحكمة الدستورية المصرية في حماية الحقوق والحريات – النسر الذهبي للطباعة – القاهرة 2004 33- د. كمال الغالي – مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية – منشورات جامعة دمشق – الطبعة الثامنة. 34- د. محمد كامل ليلة – النظم السياسية – دار النهضة العربية – بيروت 1969 . 35- د. منذر الشاوي – نظرية الدولة – منشورات مركز البحوث القانونية 3 بغداد 1981. 36- د. منذر الشاوي – نظرية الدستور – منشورات مركز البحوث القانونية4 بغداد 1981 . 37- د. محسن خليل- القانون الدستوري والنظم السياسية – 1987 بدون مطبعة. 38- د. محمود عاطف ألبنا – الوسيط في النظم السياسية – القاهرة – 1988 . 39- د. مصطفى أبو زيد فهمي – الدستور المصري فقها" وقضاء – دار المطبوعات الجامعية – الطبعة التاسعة 1996 . 40- د. محمود محمد حافظ – الوجيز في القانون الدستوري- دار النهضة العربية – 1999 – الطبعة الثالثة. 41- د. ماجد راغب الحلو – القانون الدستوري – دار المطبوعات الجامعية ,الإسكندرية 1997 . 42- د. ماجد راغب الحلو – النظم السياسية والقانون الدستوري – منشأة المعارف الإسكندرية – الطبعة الثانية 2005. 43- د. مازن ليلو راضي 0 الطاعة وحدودها في الوظيفة العامة – دار المطبوعات الجامعية- الإسكندرية 2002. 44- القاضي مدحت المحمود – القضاء في العراق – موسوعة القوانين العراقية – الطبعة الأولى 2005. 45- مكي ناجي – المحكمة الاتحادية العليا في العراق – دار الضياء للطباعة والتصميم – النجف الاشرف – الطبعة الأولى 2007. ب- الكتب المعربّة: 1- جابريل إيه الموند .وجي بنجهام باويل الابن – السياسات المقارنة في وقتنا الحاضر – ترجمة هشام عبد الله – الدار الأهلية للنشر والتوزيع – عمان – الأردن 1997. 2- جاي م . فينمان – النظام القانوني الأمريكي – ترجمة د. احمد أمين الجمل – مطبعة الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية – الطبعة الأولى 2005. 3- ديفيد كيه نيكولز – أسطورة الرئاسة الأمريكية الحديثة – ترجمة صادق إبراهيم عودة – الدار الأهلية للنشر والتوزيع – عمان – الأردن 1997. 4- لاري الويتز – نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية – ترجمة جابر سعيد عوض – الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية – الطبعة الأولى 1996 . 5- هنري روسيّون – المجلس الدستوري – ترجمة د. محمد وطفة – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – الطبعة الأولى 2001. 6- وزارة الخارجية الأمريكية – موجز نظام الحكم الأمريكي – بدون مطبعة سنة طبع. ت : الكتب باللغة الفرنسية 1-Benoit jeanneau, Droit Constitutionl et institution politiques, Paris,dalloz ,1975. 2-Hauriou,: Droit Constitutional et institutions politiques,1969. سابعا" : البحوث والدراسات والمقالات : أ- المنشورة في الصحف والمجلات: 1- د. أكرم عبد الرزاق المشهداني- استقلالية القضاء ضمانة الحقوق – مقالة منشورة في صحيفة الزمان – العدد 1962 في 8/11/ 2004. 2- د. سعد عبد الجبار العلوش – نظرات في موضوع الرقابة القضائية على دستورية القوانين في العراق ومستقبلها في حماية الحقوق والحريات العامة – بحث منشور في مجلة كلية الحقوق - جامعة النهرين – المجلد 8 العدد 14 أيلول 2005 . 3- القاضي فتحي الجواري – أهمية القضاء في حياة الشعوب – مقالة منشورة في صحيفة التآخي – العدد 4475 في 18 /5 / 2005. 4- فيليبا ستروم – دور القضاء المستقل – مقالة منشورة في مجلة أوراق ديمقراطية رقم 6 – إصدار وزارة الخارجية الأمريكية – مكتب برامج الإعلام الخارجي office of international in formation programs.us department of state ب-المنشورة في المواقع الالكترونية للشبكة العالمية الدولية(الانترنت): 1- د. حسان محمد شفيق العاني ود. حميد حنون ألساعدي – المبادئ الأساسية لدستور العراق الدائم – بحث منشور في الموقع الالكتروني لمركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية www.fedrs.com 2- المستشار القانوني خالد عيسى طه – نأمل أن يكون التشريع الأمريكي منفذا" يؤدي إلى الاستقرار – مقالة منشورة في الموقع الالكتروني لصحيفة بحزاني الالكترونية في 8/11/ 2007 htt://www.bahzani.net/services/forum/showthread.php/?=18316 3- ديندار شيخاني – الرقابة على دستورية القوانين – دراسة منشورة في الموقع الالكتروني لمركز قنديل للنشر والإعلام – العدد 65 www.qendil.net 4- القاضي رحيم حسن العكيلي – الرقابة على دستورية القوانين – دراسة منشورة في الموقع الالكتروني لجريدة الصباح الجديد sanday.julay.11 www.newsapah.com 5- القاضي زهير كاظم عبود – استقلالية القضاء العراقي – دراسة منشورة في موقع إيلاف الالكتروني . الأحد 10 يونيو 2007 www.elaph.com 6- المحامي طالب الوحيلي – القواعد العامة في الرقابة القضائية على دستورية القوانين – دراسة منشورة في الموقع الالكتروني لشبكة النبأ المعلوماتية – الخميس 8 حزيران 2006 www.annabaa.org 7- د. عبد الكريم شبر – دراسة حول مدى قانونية الاستفتاء الشعبي – دراسة منشورة في الموقع الالكتروني لمركز سيادة للحقوق والقانون – تاريخ الدراسة 9/4/ 2007 www.syada.org 8- د. مازن ليلو راضي – ضمانات احترام القواعد الدستورية في العراق – بحث منشور في الموقع الالكتروني للأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك www.ao-academy.org 9- محمد إسماعيل- نظام الحكم في إيران – دراسة منشورة في موقع الجزيرة الالكتروني- في 21/ 4/ 2001 www.aljazeera.net 10- د. منذر الفضل – استقلال السلطة القضائية وإهدار حق التقاضي في العراق بحث منشور في موقع العراقي الالكتروني www.aliraqi.org 11- القاضي مدحت المحمود – القضاء في العراق – الطبعة الثانية 2006 الموقع الالكتروني لمركز القضاء العراقي للدراسات والتوثيق وهو نفس الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا العراقية http://www.iraqijudicature.org/fedraljud.html 12- القاضي مدحت المحمود – استقلال القضاء في العراق ودور الدستور الدائم في حماية استقلال القضاء- مقالة منشورة في الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية العليا العراقية http://www.iraqijudicature.org/fedraljud.html 13- نبيل أديب عبدالله , عندما هزمت الصحافة السلطة , مقالة منشورة في الموقع الالكتروني لصحيفة السودان الدولية والهوية الجامعة , العدد 839 في 13 / 3/ 2008 http://www.alsudanni.info/index.php?type=38id=2147526764 14- هادي عزيز علي – خبراء الفقه الإسلامي وعضوية المحكمة الاتحادية العليا دراسة منشورة في الموقع الالكتروني لصحيفة المدى www.almadapaper.com 15- د. يحيى الجمل – القضاء الدستوري في مصر – بحث منشور في موقع البوابة القانونية شركة خدمات المعلومات التشريعية ومعلومات التنمية www.tashreaat.com ثامنا": القرارات والأحكام القضائية: 1- قرارات وأحكام واجتهادات المحكمة الاتحادية العليا العراقية – المنشورة في الموقع الالكتروني للمحكمة http://www.iraqijudicature.org/fedraljud.html تاسعا": الرسائل الجامعية: 1- د. عدنان عاجل عبيد – أثر استقلال القضاء عن الحكومة في دولة القانون – رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق – جامعة النهرين 2007. 2- محمد ذنون يونس مصطفى – ممارسة السلطة التشريعية في الدول الإسلامية المعاصرة إيران والسودان نموذجا" – رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون – جامعة الموصل 2005.