رقابة الصفقات العمومية في المغرب

الأحد، 16 ديسمبر، 2012 |



يحيل المفهوم اللغوي للرقابة على معنى الحراسة والحفظ. فالرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عنه الشيء، أما المفهوم العلمي فيشكف بجلاء اختلاف التعاريف والمفاهيم المسندة لهذا المصطلح وتنوع الأبعاد المتحكمة فيه(1)، تجنبا للمتاهات التي قد تجرنا إليها محاولة البحث في مختلف التعاريف والمفاهيم التي أعطيت للرقابة نكتفي بالقول أن مفهوم الرقابة يدل على معنى محدد : التحقق والمراقبة بغرض التأكد من كون الشيء مطابق لما يتم الإعلان عنه أو كما ينبغي أن يكون بالنظر إلى معيار معطى(2). في ميدان الصفقات العمومية الرقابة تنصرف أساسا إلى التأكد من احترام الأشغال المنجزة لمقتضيات العقد والشروط المتضمنة في مختلف الدفاتر (دفاتر الشروط الإدارية العامة، دفاتر الشروط المشتركة، دفاتر الشروط الخاصة) وما يعنيه ذلك من ضرورة الحفاظ على المال العام دون الإضرار بالمصالح الخاصة بالمقاول الذي يتعامل مع الإدارة التي تتوفر على مجموعة من الامتيازات قد يؤدي سوء استعمالها إلى المس بالمنافع المفروض أن يجنيها (المقاول) من الصفقة التي هي بالأساس ذات صبغة مادية.


من هذا المنظور تبرز أهمية الرقابة بشكل عام وبالأحرى في مجال الصفقات العمومية وذلك من وجهين على الأقل :

أولا حجم الأموال التي توظف في مجال الصفقات العمومية سواء من طرف الدولة أو الجماعات المحلية، مما يجعلها مجالا ملائما للمخالفات المقصودة أو الغير المقصودة، المباشرة أو الغير المباشرة على المال العام(1).

ثانياالأهمية الحيوية للقطاعات التي تنصب عليها الصفقات العمومية من توريدات وخدمات مع التشديد على قطاع الأشغال العمومية التي تهم تجهيز البلاد بالطرق، القناطر، الموانئ، السدود والمباني العمومية (إدارات، مستشفيات، مدارس، جامعات ... إلخ) وما تمثله من أهمية سوسيو اقتصادية.

هذه المعطيات تثقل كاهل الرقابة في تفادي الأخطاء وعند الاقتضاء تصحيحها(2) وترشيد وعقلنة الصفقات العمومية(3)، وهو أمر يرتبط ببنية الأجهزة الرقابية وأنواعها وطريقة اشتغالها.

بالعودة إلى النظام الرقابي المغربي في مجال الصفقات العمومية، فإن الانطباع الذي يمكن تسجيله من الوهلة الأولى هو خاصية التشعب والتنوع والتعقيد، فهناك تصنيفات عديدة تتفرع بدورها إلى تفريعات أخرى، سواء من حيث توقيتها (رقابة سابقة، مواكبة، لاحقة)، أو الأجهزة المتدخلة (إدارية، سياسية، قضائية)، أو نوعيتها (رقابة المشروعية، رقابة الملاءمة) ... إلخ، مع تسجيل التردد الذي مازال يطبع الانفتاح على أشكال رقابية حديثة أثبتت جدواها في تجارب العديد من الدول وقبلها في القطاع الخاص، نقصد بها التدقيق أو الافتحاص (L’audit).

فما هي الآليات الكفيلة بتمكين الرقابة من الاضطلاع بدور حيوي في ترشيد وعقلنة الصفقات العمومية ؟ والمعوقات التي قد تنحرف بها عن وظيفتها الحيوية إلى وظيفة مضادة تؤثر سلبا على دور الصفقات العمومية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟، للإجابة عن هاتين الإشكاليتين سنركز على الأجهزة والآليات الرقابية مستعينين في ذلك بالمنهج البنيوي، وكيفية اشتغالها وحدود العلاقة بينها وقدرتها على أداء وظيفتها بالشكل المطلوب والعوائق التي قد تعترض سبيلها في تحقيق ذلك، مما يستوجب سلك المنهج الوظيفي. معتمدين في ذلكالتصميم الآتي بيانه:

المبحث الأول: آليات الرقابة الداخلية على الصفقات العمومية والمحلية

المطلب الأول: الرقابة التلقائية للإدارة المبرمة للصفقة

المطلب الثاني: الرقابة من خارج الإدارة المعنية بالصفقة

المبحث الثاني: معيقات آليات الرقابة الداخلية على الصفقات العمومية.

خاتمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الأول: آليات الرقابة الداخلية على الصفقات العمومية والمحلية

ما من شك أن تزايد الرهانات على الصفقات العمومية ، باعتبارها آلية للتدخل و التأثير ، بل توجيه المجالات الاقتصادية و الاجتماعية، و بالتالي المساهمة في تحقيق التنمية، يقتضي أجهزة رقابية فعالة و قادرة على ترشيد عمليات إبرام و تنفيذ الصفقات العمومية و المحلية.

وتأتي، كذلك أهمية إحاطة تمرير و تنفيذ الصفقات العمومية بعدة أنواع من الرقابة، وذلك اعتبارا لأهمية المبالغ المرصودة لها و تزايد عدد الصفقات. فالرقابة عموما كيفما كانت أشكالها وأنواعها أصبحت، في وقتنا الراهن لا تقتصر على ضبط المخالفات و تطبيق العقوبات فحسب، بل أصبحت تسعى إلى حث المسؤولين على اتخاذ القرارات الملائمة للظروف المالية و المخططات الاقتصادية، و تحفيزهم على تحسين تسييرهم و تدبيرهم المالي.

و سنركز ، في هذا المستوى، على دور الرقابة التلقائية للإدارة في ترشيد الصفقات العمومية و المحلية (المطلب الأول)، كما سنحاول تحديد الرقابة من خارج الإدارة المعنية بالصفقة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الرقابة التلقائية للإدارة المبرمة للصفقة

تعد الرقابة الداخلية الممارسة على الصفقات العمومية و المحلية من الرقابات التقليدية والاعتبارية التي تمارس من داخل دواليب الإدارة نفسها(1). فالإدارة تنجز رقابة ذاتية و تلقائية على نفسها، بمعنى أنها تستطيع أن تراجع نفسها فيما قامت به أعمال و تلغي غير المشروع منها(2).

وتتم الرقابة الداخلية إما من طرف أجهزة رقابية منبثقة من داخل الإدارة المبرمة للصفقة، أو من خارج الإدارة المعنية بالصفقة لكنها تظل منبثقة من داخل الجهاز التنفيذي ككل.

بخصوص الرقابة التلقائية للإدارة المبرمة للصفقة، فسنحاول دراستها باستحضار مستويين اثنين؛ المستوى الأول يخص الصفقات العمومية، و المستوى الثاني يهم صفقات الجماعات المحلية.

هكذا، فالرقابة التلقائية على الصفقات العمومية تمارس بداية عن طريق الرقابة الرئاسية، وتتم هذه الأخيرة بكيفيتين، فإما أن تنجز بكيفية مباشرة، أو أن تعتمد على الاستعانة بمفتشين تابعين للرئيس.

من هنا، فالصورة الأولى للرقابة الرئاسية تمارس بشكل مباشر باعتماد تقنية السلم الإداري، حيث يوجد الوزير في قمة هرم السلطة و يأتي بعده مجموعة من الرؤساء بكيفية تدريجية يراقب الأعلى منهم الأدنى. وتستند الرقابة الرئاسية المباشرة إلى وسيلتين: وسيلة قانونية و أخرى عملية.فعن طريق استحضار الوسائل القانونية تضمن هذه الرقابة التطبيق السليم للقواعد القانونية و الأنظمة الجاري بها العمل،

و تكفل انتظام صدور التعليمات من الرئيس لمرؤوسيه وذلك لإرشادهم إلى ما يجب العمل به من قوانين وأن مخالفتها تقود إلى تعريض صاحبها للجزاءات التأديبية.

و يكفل كل رئيس باعتماد الوسائل باعتماد الوسائل العملية التسيير الجيد لإدارته فبمنع التهاون و الإخلال بنظام العمل، و ذلك استنادا إلى كون هذه الوسيلة تشكل رقابة دائمة وعامة تتجاوز حدود الرقابة القانونية الضيقة(1).

و نظرا لمحدودية الرقابة الرئاسية المباشرة فقد تم اعتماد نظام التفتيش؛ فالرئيس الأعلى يستعين بموظفين تابعين له لمراقبة المصالح الخارجية لإدارته. وتتم هذه العملية من جهة بواسطة لجان تتكون من موظفين مركزيين يقومون بمهمة التفتيش بكيفية مؤقتة، ثم يعودون بعد ذلك إلى ممارسة مهامهم العادية. ومن جهة أخرى، باللجوء إلى الشكل الثاني من التفتيش وهو إنشاء جهاز مختص بهذه المهمة.وعمليا توجد ثلاث أنواع من المفتشيات؛ مفتشيات تقنية ومفتشيات إدارية و أخرى مختلطة بحسب طبيعة العمل المراد مراقبته. وقد أظهرت الممارسة العملية محدودية العمل باللجان وبنظام التفتيش من حيث عنصري الزمن وعدم الاختصاص(1).

أما من حيث الأسس التي تقوم عليها الرقابة التلقائية في مجال الصفقات العمومية ،فتتم من خلال فحص و تحليل العروض، و كذا مراقبة تنفيذها. فباستحضار مقتضيات مرسوم 2007 المنظم للصفقات العمومية، نجد أن مهمة فحص العروض والبث فيها قد أسندت إلى لجنة متعددة الأطراف. و تضم هذه الأخيرة ممثلين عن وزارة المالية والتخطيط والتجهيز و السكنى والتعمير و التجارة والصناعة وذلك حسب الحالات. هذا بالإضافة إلى الأعضاء الذين تعينهم الإدارة لهذا الغرض. وتقوم هذه اللجنة الموكول إليها أمر فحص وتحليل العروض بعدة مهام : تتمثل هذه الأخيرة في مراقبة الإجراءات الإدارية، وكذا الوثائق والعروض التي يدلي بها المرشحون. وزيادة على ذلك، فلجنة فتح العروض تلعب دورا هاما في مرحلة الفحص والبث في العروض، فهي التي تضع أمام سلطة المصادقة مختلف العناصر الأساسية المكونة لاتخاذ القرار النهائي. وحتى تتمكن لجنة فحص العروض من إنجاز مهامها فإن أشغالها تتميز بوجود مرحلتين مختلفتين : المرحلة الأولـى ،يتم فيها فحص الإجراءات والشكليات الإدارية التي ابتغتها الإدارة،وكذلك الملفات والوثائق التقنية والإدارية التي أدلى بها المرشحون. وهكذا، فهذه المرحلة تمكن من التأكد من صحة المسطرة الإدارية من جهة الإدارة، بالإضافة إلى القدرات و المؤهلات التي يتمتع بها كل مرشح.أما المرحلة الثانية، فخلالها يتم البث في العروض بعد تحليلها و تقييم محتوياتها لتعيين المتعهد المؤقت(1).

وبخصوص مراقبة تنفيذ العروض، تقوم الإدارة بمراقبة المتعاقد معها للتأكد من مدى التزامه بشروط العقد، وتصدر له بذلك كل التوجيهات والتعليمات الكفيلة لحسن التنفيذ و الالتزام بمواقيت إنهاء الأعمال و تسليمها ابتدائيا وفقا للأصول الفنية المرعية وبالمطابقة للمواصفات المحددة و المقررة في العقد. ولذلك فالإدارة تراقب المستخدمين وتحرص على حماية مصالح العمال، كما تراقب أماكن العمل و المواد والعتاد المستعمل. هذا بالإضافة إلى قيام الإدارة بجرد الأشغال ، ومراقبة عمليات الحفر و الهدم الواقع على المنشآت القديمة للتأكد من خلوها من الآثار النفيسة التي تجب المحافظة عليها والتي تعود ملكيتها للدولة(2).

وفي هذا الإطار، نسجل عدم اكتفاء الإدارة أحيانا بالرقابة بل تتدخل في اختيار طرق و أساليب التنفيذ، وذلك لكون الإدارة تملك تجاه المقاول سلطات واسعة تستمدها من فكرة "المصلحة العامة" التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها.

و عموما تظل رقابة التنفيذ قاصرة على لعب دورها في ترشيد وعقلنة الصفقات في ظل استمرار التلاعبات والممارسات المنحرفة وغير النزيهة(3).

وبالانتقال إلى الرقابة التلقائية على صفقات الجماعات المحلية، فتمارس هذه الرقابة من طرف الإدارة المحلية بنفسها وتختلف باختلاف الإدارات المعنية. وتتجلى أساسا على المستوى الجماعي من خلال الدور الرقابي الذي يقوم به المجلس الجماعي على جميع العمليات المالية التي تقوم بها الجماعة المحلية على مدار السنة(4).

و تنقسم الرقابة الذاتية على الصفقات المحلية المبرمة من طرف الإدارة المحلية حسب المادة 92 من مرسوم 5 فبراير 2007 من حيث موضوعها إلى مراقبة على تهيئ الصفقة، و أخرى على إبرامها، ثم على تنفيذها(1).

ففي ما يخص الرقابة التلقائية على تهيئ الصفقات المحلية ،فهي تستمد أهميتها من مواكبتها للأعمال التحضيرية الأولى للصفقة.وتنصب الرقابة التلقائية على ما يلي:

1- قيام صاحب المشروع الذي هو رئيس المجلس الجماعي قبل أي دعوة إلى إجراءات المنافسة أو أي تفاوض أو نقاش بتحديد المواصفات بكل ما يمكن من الدقة.لاسيما في الجانب الخاص بالمواصفات الفنية منها ومحتوى الأعمال التي يجب تحديدها بالرجوع إلى المعايير المغربية المعتمدة أو في حالة انعدامها إلى المعايير الدولية.

2- تحديد المواصفات التقنية.

3- تحديد البيانات التي تشكل موضوع عقد الصفقة و التي يتعين إبرازها ضمن العقد.(2)

4- التأكد من كون الالتزامات المتبادلة التي تثبتها الصفقة المحلية قد تم إبرامها على أساس عقد الالتزام الذي يوقعه نائل الصفقة المحلية، وعلى أساس دفتر الشروط الخاصة، وكذا التأكد من مدى احترام الشروط والمقتضيات الواردة ضمن دفتر التحملات(3).

و بالنسبة للرقابة على إبرام الصفقات المحلية فتشمل ما يلي:

1- رقابة مدى اعتماد عنصر الشفافية في اختيارات الجماعة المحلية صاحبة المشروع عند إبرام الصفقة و مراقبة مدى تواجد المنافسة والمساواة وفعالية النفقة. والتأكيد على اختيار العرض الأفضل و الأنسب من حيث الجودة و الثمن عوض الاكتفاء بمعيار الثمن المنخفض.

2- مراقبة طرق إبرام الصفقات العمومية المحلية أي طلب العروض والمباراة و المسطرة التفاوضية (استثناء سند الطلب في حدود مائتي ألف درهم).

3- مراقبة محتوى طلب العروض، وكذا طلب العروض المحلي بالانتقاء المسبق، وأيضا مدى توفر الدعوة العمومية للمنافسة في صفقة المباراة المحلية.

4- مراقبة محتوى نظام الاستشارة في كل طلب عروض محلي إضافة إلى الملف الذي تعده الجماعة المحلية المعنية.

5- مراقبة الشروط المطلوبة من المتنافسين للمشاركة في طلبات العروض و المباراة المحلية و غيرها(1).

في حين تنصب الرقابة على تنفيذ الصفقات المحلية على مدى تنفيذ الطرف المتعاقد لالتزاماته التعاقدية تجاه الجماعة المحلية صاحبة المشروع . وفي هذا الإطار، فهذه الرقابة تسعى إلى التأكد من أن المقاول أنجز الأشغال في موعدها المحدد ووفقا للمواصفات الواردة في الوثائق النموذجية للتحملات . كما تهدف إلى ضرورة احترام الشرعية أثناء تنفيذ الصفقات و الشراءات النموذجية للتحملات . هذا إلى جانب التدخل في الوقت المناسب وقبل وقوع انحرافات أو أخطاء و العمل على توجيه تنفيذ الصفقات نحو الطريق الصحيح(2).

وتتجلى أهمية هذه الرقابة في تأكد الجماعة المحلية صاحبة المشروع من مدى مطابقة الأشغال أو الخدمات أو التوريدات المنجزة مع مقتضيات عقد الصفقة. لهذا تلتزم الإدارة المحلية المتعاقد معها بتقديم لائحة تتضمن بيانات عن العاملين في ورش الأشغال.كما تتكفل الإدارة المحلية بتنظيم مراقبة الأوراش المطبقة على جميع الأشغال.

وقد تمتد الرقابة التلقائية للإدارة المحلية إلى تدبير السلامة و النظافة الصحية. ومن أجل ذلك، تتطلب تلك العملية تتبع تنفيذ الصفقة من طرف أطر تقنية كفأة تتكون من مهندسين معماريين يسهرون على تقييم الأعمال و نوعية المواد المستعملة و تطبيق التصاميم، و تتبع سير الأشغال أو الخدمات أو عملية التموين منذ بداية الإنجاز إلى غاية تنفيذها(1).

ومن حيث الواقع، فالرقابة التلقائية على المقاول تكتنفها بعض الصعوبات التقنية و العملية؛ منها أنه يمكن لمقاول أن يغش في جودة المواد، وكذلك عدم احترام بعض المقتضيات التعاقدية.

وتأسيسا على ما سبق، فالرقابة التلقائية تبقى رقابة أساسية ذات دور وقائي يتحتم تفعيلها نظرا لقربها من الصفقة. كما أنها تمارس بصورة دائمة على مشروعية مختلف مراحل الصفقة لفائدة الجماعة بدون تدخل أي هيأة أخرى(2).

المطلب الثاني : الرقابة من خارج الإدارة المعنية بالصفقة

تخصص لكل وزارة في ميزانية الدولة اعتمادات خاصة، لذاك فكل إدارة ملزمة بإعداد برنامج لصرف الاعتمادات وعرضه لتأشيرة وزارة المالية.من هنا،تتم مراقبة وزارة المالية للصفقات العمومية المبرمة من طرف الوزارات على مستويين : يتجلى المستوى الأول في حضور ممثل وزارة المالية في لجان اختيار المقاول.ويتمثل المستوى الثاني في وضع تأشيرة المالية عند توقيع الملف و تسديد الحسابات(3).

هكذا، فباستحضار المستوى الأول، نجد أن وزارة المالية لابد أن تكون ممثلة في لجان اختيار المقاول، وسواء تعلق الأمر بمكتب طلب العروض أو المباراة، وتمثل بعضو من مديرية الميزانية.و يبدو أن حضور ممثل وزير المالية في اللجان المذكورة، من الناحية النظرية، يؤمن احترام مبدأ الشرعية و التأكد من احترام مبدأ المنافسة. لكن من الناحية العملية ،فتلك الرقابة تظل ضعيفة لسببين: يتمثل الأول في كون وزارة المالية ليست ممثلة في جميع الصفقات، فمرسوم 2007 جعل حضورها إلزاميا بالنسبة للصفقات التي يتجاوز مبلغ إنجازها 200000 درهم ، واختياريا فيما دون هذا المبلغ. ويتجلى السبب الثاني في ضعف حضور ممثل وزير المالية خاصة في المسائل التقنية(1). لهذا، ذهب أحد الباحثين إلى ضرورة حضور ممثل وزارة المالية في جميع الصفقات كيفما كان مبلغها، وأن يوضع رهن إشارته دفتر التحملات و ملف الصفقة على الأقل مدة معقولة(15 يوما) قبل انعقاد الجلسة(2).

أما المستوى الثاني الخاص بمهمة وضع تأشيرة المالية عند توقيع الملف وتسديد الحسابات فتسند إلى مصلحة مراقبة الالتزام بالنفقات التي يرأسها مراقب مالي يتمتع بالاستقلال تجاه الآمر بالصرف. وتلعب المصلحة دورا مهما في مراقبة الآمر بالصرف ،و كيفية تسيير الاعتمادات و عدم تجاوزها حتى لا يقع الإضرار بحسن سير مالية الدولة. وتعتبر تلك المصلحة المراقب الحقيقي لشرعية الصفقات المبرمة من طرف الدولة لأنها تمارس رقابة سابقة. من هنا، يتجلى الهدف من إنشاء مصلحة رقابة الالتزامات في التأكد من صحة إدراج النفقة في الميزانية، وكذا إطلاع وزير المالية على شروط تنفيذها. بالإضافة إلى تقديم العون و المساعدة إلى المصالح المكلفة بالصفقة(3).

وتتحدد الرقابة الممارسة من قبل المراقب المالي ، في مجال الصفقات، في التأكد من احترام الإدارة لمسطرة إبرام العقد (تقديم الإدارة لمحضر وصفي لجلسة فتح الأظرفة موقعا من طرف الأعضاء و الرئيس). ومراقبة مدى احترام المدد القانونية التي تفرضها مسطرة التعاقد والتأكد من كل المعطيات المتعلقة بالمتعاقد، بما في ذلك التأكد من صحة الوثائق المرفقة.

لكن المراقب المالي تواجهه عدة صعوبات؛ففي حالة حصول نزاع بين المراقب المالي والآمر بالصرف حول تفسير مقتضيات بعض النصوص القانونية ،فإن الوزير الآمر بالصرف يستطيع تجاوز تأشيرته باستصدار قرار من الوزير الأول يتيح هذا التجاوز. هذا بالموازاة مع انعدام التنظيم فيما يخص ترتيب الملفات الواردة على المراقبة المالية خلال السنة و عدم كفاية المدة (15 يوما) التي خولها القانون للمراقب المالي(1).

من هنا، فإذا كان يمكن اعتبار مصلحة مراقبة الالتزامات بالنفقات التي من المفروض أن تشكل نوعا من قاضي المشروعية الإدارية لنشاط المسيرين للصفقات، فإنه في ظل العراقيل العديدة لا يمكن أن تلعب دورها في ترشيد الصفقات العمومية. فالرقابة المالية تظل رقابة تتسم بالبطء و الشكلية مما يجعل تأمينها لشرعية استعمال الاعتمادات ضعيفا و قليل الفعالية. فالمراقب المالي لا يستطيع أن يراقب التواطؤ الحاصل بين المقاولين ولا بين هؤلاء وبين الإدارة، كما لا يستطيع فحص النفقة الحقيقية و الكلية للأشغال المنصوص عليها في الصفقة أو الحكم على بعض القرارات المتخذة من طرف لجنة الاختيار، ولا على الأثمنة المقترحة بسبب الطبيعة التقنية لموضوع الصفقة(2).

و بالنسبة لرقابة صفقات الجماعات المحلية التي تتم من خارج الإدارة المحلية ،فهي تتخذ شكلين: الشكل الأول يرتبط برقابة سلطات الوصاية، و الشكل الثاني يتمثل في الرقابة المالية على صفقات الجماعات المحلية(3).

و تجدر الإشارة إلى أن نظام المحاسبة للجماعات المحلية و هيآتها ينص، فيما يخص رقابة سلطات الوصاية، على أن "محاضر المناقصة و صفقات الأشغال و الأدوات أو الخدمات المبرمة من لدن الجماعة المحلية أو الهيئة، لا تكون صحيحة و نهائية إلا بعد أن يصادق عليها وزير الداخلية أو الشخص المفوض إليه من طرفه ".

وتكمن رقابة سلطات الوصاية على صفقات الجماعات المحلية في رقابة الشرعية و رقابة الملاءمة. فعن طريق رقابة الشرعية يتم التأكد من مدى مطابقة العمليات المتعلقة بتمرير الصفقات المحلية مع القواعد و النصوص القانونية. ومن الحالات التي ترفض فيها الوصاية المصادقة على صفقات الهيآت المحلية :

ü عندما تكون الصفقة مشوبة بعيب عدم الشرعية.

ü حالة عدم توفر الدراسات الكافية.

ü حالة عدم توفر الاعتمادات المالية.

في حين تنصب رقابة الملاءمة على التأكد من مطابقة المشاريع المزمع إنجازها من طرف الجماعات المحلية مع السياسة العامة للدولة. وتقود رقابة الملاءمة إلى مركزية الرقابة مما يحد من الاستقلال المالي للجماعات المحلية ، وهو ما يقتضي إسناد هذا الاختصاص إلى ممثلي سلطات الوصاية في الجهات و العمالات و الأقاليم في إطار نهج سياسة اللاتركيز الإداري(1).

وحتى نستطيع الإحاطة بكل الأجهزة الإدارية الرقابية ، سنحاول التطرق للرقابة المالية من خلال رقابة الالتزام بالنفقة و رقابة المفتشيات.

تخضع صفقات الجماعات المحلية لرقابة صحة الالتزام بالنفقة(2)، حيث إن المشرع المغربي أخضع الآمرين بالصرف رؤساء المجالس المحلية أو مندوبيهم لهذه الرقابة. ويعمل القابض المحلي منذ فاتح يناير 1997 بوظيفة رقابة الالتزام بالنفقة الجماعية، وأيضا الأداء. فباعتبار الصفقة المحلية من الوجهة المالية تعد نفقة عامة، فمهمة القابض تتحدد في رقابة صحة الالتزام بالنفقات المحلية التي تنصب على المشروعية المالية للنفقة ومدى مطابقتها للقواعد و النصوص القانونية. وتتجلى هذه الرقابة في التأكد من:

ü مدى صحة هوية الآمر بالصرف.

ü مراقبة مدى توفر الاعتماد المالي.

ü سلامة المرجع المالي.

ü مراعاة القواعد و الأنظمة المعمول بها في مجال الإنفاق العام.

ü إثبات العمل المنجز.

ü صحة حسابات التصفية.

ü احترام قواعد التقادم و سقوط الحق.

ü قوة إبراء التسديد(1).

وتتوج رقابة القابض المحلي على الصفقات المحلية،إما بقبوله التأشيرة أو رفضه لها مع تعليل أسباب الرفض، وذلك خلال 5 أيام كاملة ابتداء من تاريخ إيداع مقترح الالتزام.

يبقى أن تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالنفقة تعد صعبة وشاقة على مستوى الواقع العملي،حيث ينبغي على القابض المحلي التأكد من الوضعية الحقيقية للمبالغ الملتزم بصرفها و المبالغ التي تم تسديدها في شكل تسبيقات . كما ينظر القابض في مدى مطابقة النفقة مع الواقع حتى يصرف الاعتماد في الإطار المحدد له. لذلك، فرقابة صحة الالتزام بالنفقة في مجال صفقات الجماعات المحلية تنصب على المحتوى و الشكل فهي تراقب التطبيق السليم لمختلف النصوص القانونية و المالية، و أيضا المساطر و الإجراءات المتبعة لإبرامها(2). ورغم الازدواج الوظيفي لرقابة القابض المحلي، كمحاسب عمومي وكمراقب عمومي، فإن رقابته لا ترقى إلى المستوى المطلوب، فرقابته تبقى غير كافية. وفي الغالب، تقتصر رقابة القابض على جانب الشرعية دون الملاذءمة رغم تخويل الفصل السابع من المرسوم المتعلق بمراقبة الالتزام بالنفقة الخاصة بالجماعات المحلية و هيآتها للقابض صلاحية مراقبة ملاءمة النفقة التي يسعى الآمر بالصرف إلى الالتزام بها. كما يؤخذ على النوع من الرقابة عدم شموليتها لنفقات الجماعات القروية، واستمرار خضوعها لنصوص قانونية قديمة(1).

ويخضع القابض المحلي، بدوره، إلى مراقبة الخازن العام للمملكة باعتباره الرئيس التسلسلي للقابض بعد وزير المالية.و تمارس هذه الرقابة البعدية على نطاق واسع على كل العمليات التي يجريها القابض البلدي لتنفيذ ميزانية الجماعات المحلية، فهو يعد مسؤولا أمامه مسؤولية شخصية و مالية ،إذ يتعين عليه الإدلاء بالتبريرات للعمليات التي يجريها . ولتسيير هذه المراقبة يعد القابض البلدي حساب التسيير عند نهاية كل سنة مالية ويدلي به للخازن العام للمملكة الذي يتوفر على عدة أجهزة لها صلاحية ممارسة هذه الرقابة نذكر منها الخازن الإقليمي و جهاز المراقبة القائم في عين المكان(2).

أما بخصوص رقابة المفتشيات، فسنحاول بداية تناول دور المفتشية العامة لوزارة الداخلية، لنتطرق في مرحلة ثانية للمفتشية العامة لوزارة المالية.

تستند مراقبة المفتشية العامة لوزارة الداخلية لصفقات الجماعات المحلية إلى الفصل 120 من نظام المحاسبة العمومية للجماعات المحلية، وكذا المادة 2 من النظام الأساسي الخاص بالمفتشين العامين للإدارة الترابية . و تضطلع المفتشية العامة لوزارة الداخلية، كاختصاص عام، بمهمة مراقبة التسيير الإداري و المالي للجماعات المحلية ضمن المراقبة الذاتية للإدارة المحلية(3).

وفي نفس الإطار، تناط بهذه المفتشية مهمة مراقبة تطبيق النصوص والأنظمة الجاري بها العمل من قبل الإدارة المحلية . كما يسند إليها الوقوف على كيفية تدبير الموارد البشرية. وقد تقوم أيضا بمهمة البحث و الدراسة حول موضوع معين(4).

والملاحظ أن دور المفتشية العامة لوزارة الداخلية يظل مطبوعا بالضعف والمحدودية(1). وتعزى هذه المحدودية إلى غياب نظام قانوني خاص بها ، بل إن تنظيمها يندرج ضمن اختصاصات الوزارة المنتمية إليها . و رغم إعادة الهيكلة التي عرفتها المفتشية سنة 1994 ، فإنها من الناحية التنظيمية تظل غير متوفرة على هيكل تنظيمي خاص ،مما يقود إلى تداخل العمليات الرقابية داخل الأجهزة الإدارية للوزارة نفسها. إذ يمكن أن يقوم بها أيضا الكاتب العام للوزارة و المديرين من جهة، كما أن ارتباط المفتشية المباشر بوزير الداخلية يطرح إشكالية السلطة التقديرية الواسعة التي يتوفر عليها وزير الداخلية و التي تسمح له بتحريك من عدمه المسطرة القضائية من جهة أخرى(2).

كما أن المفتشية تفتقد إلى الأطر البشرية الكفيلة بتمكينها من إنجاز مهامها فالمفتش إن اضطلع فيها بمهمة المراقبة والتفتيش المفتشين العامون الذين يتوفرون على تكوين مهني عام ومتعدد الإختصاصات بالإضافة إلى تجربة مهنية كبيرة تظل محدودة الفعالية نظرا للنقص الكبير في موادها البشرية.

ويبقى اقتراح ضرورة إحداث مفتشيات على المستوى الجهوي وتمكينها من الموارد المالية والبشرية أحد المداخيل الأساسية لتفعيل دور المفتشية في ترشيد الصفقات المحلية .

أما فيما يتعلق بالمفتشية العامة للمالية فتشكل أعلى هيأة إدارية للرقابة على المالية العمومية، وتتوفر على اختصاص عام في إطار مراقبة الإتفاق العام، هكذا فقد أحدثت المفتشية بمقتضى ظهير 1960 الذي أعطاها صلاحيات واسعة لمراقبة مالية الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكل هيأة تستفيد من دعم مالي من طرف الدولة والجماعات المحلية .

وباستحضار مقتضيات المادة 2 من ظهير الشريف المنظم للمفتشية العامة للمالية فإن رقابة هذه الأخيرة تنصب على المصالح المحاسبية العمومية التابعة للدولة والجماعات المحلية وكذا الحسابات المسجلة في الدفاتر المحاسبية للأمرين بالصرف وكافة المتصرفين.

من هنا، فالمفتشية تراقب كإختصاص عام، حالة صناديق كل المحاسبين وصحة محاسبتهم والتأكد من صحة التصرفات المالية والعمليات المسجلة في حسابات الآمرين بالصرف بما في ذلك عمليات المداخيل والنفاقات.

والمفتشية، كجهاز رقابي عام تابع لوزير المالية، تعمل على مراقبة شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة وتنفيذها وذلك بناءا على مقرر للوزير المعني ويكون الأمر إجباري إذا كان مبلغ الصفقة يفوق 5 ملايين درهم .

ويحدد برنامج تفتيش من طرف وزير المالية بإقتراح من المفتش العام وإعتبارا لطلبات التحقيق التي يقدمها الوزراء الآخرين أو تقدمها مصالحها الخصوصية. غير أنه يحوز للمفتش العام أن يأمر خارج هذا البرنامج بإجراء كل تحقيق يراه مفيدا وعليه أن يخبر بذلك وزير المالية.

يحق لمفتشي المالية طلب جميع المستندات التي تساعدهم على القيام بمأمورياتهم ويصوغ لهم إجراء جميع الأبحاث والتحريات التي يرونها ضرورية وطلب الإضاحات من المصالح أو المستخدمين المعنيين بالأمر.

وقد قدمت المفتشية خلال الأربعة عقود الأخيرة أكثر من 3000 تقرير في الموضوع مراقبة صرف المال العام والبحث في سلامة الصفقات العمومية. كما أنه في إطار ديناميكيتها ومراجعة إستراتيجيتها إعتمدت برنامجا لإنجاز مراقبة الإفتحاص لمجموعة من المؤسسات. وقد بلغ مجموع تدخلاتها خلال الفترة الممتدة من 1998 – 2001 ما مجموعة 302 علمية.

لكن المفتشية تظل تعاني من الأكراهات التالية:

ü النقص الكبير في عدد أطرها إذ تتوفر على 56 مفتش عاما إضافة إلى 21 إطارا وعونا إداريا.

ü عدم التوفر على الأجهزة الحديثة لممارسة مهامها.

ü كثرة الأجهزة الخاضعة لرقابتها.

ü عدم توفر المفتشية على سلطة العقاب المباشر وطبيعة عملها الفجائي.

ü عدم وجوه مفتشية جهوية تابعة للمفتشية العامة للمالية.

وحتى تتمكن المفتشية العامة للمالية من القيام بدورها في رقابة الصفقات نرى ضرورة مراجعة إطارها القانوني المنظم لها وتمكينها من الموارد البشرية وإعطائها طابعا جهويا.

وبالإضافة إلى كل هذه الأجهزة، تنضاف مراقبة لجنة الصفقات. وتعد لجنة الصفقات جهازا تابعا للوزارة الأولى موضوعة لدى الأمانة العامة للحكومة يترأسها موظف سام يساعده نائب كلاهما معين من طرف الوزير الأول.

وتمتلك لجنة الصفقات إختصاصا عاما في مجال مراقبة الصفقات العمومية ، إذ تعنى كجهاز بشؤون الصفقات المهمة في الدولة. ويتجلى دور هذه اللجنة في تقديم الحلو ل والإقتراحات الهادفة إلى تحسين نظام الصفقات وتوحيده بإصدار كنانيش تحملات نمودجية موحدة ،و كدا لعب دور استشاري في كل مشروع لتعديل قانون الصفقات، التنسيق بين مختلف الطلبات العمومية.هدا الى جانب دور اللجنة الاستشاري فيما يخص اعداد الدراسات التقنية و القانونية والاقتصادية والمالية تضع امكانياتها رهن اشارة مختلف الادارات لفحص محتوى الملفات المتعلقة بالصفقات.

وتتشكل اللجنة من ممثلين عن وزارة التخطيط، التجهيز،المالية، السكنى، التعمير، الفلاحة، الصناعة، التجارة والبريد، إضافة إلى الخازن العام للمملكة أو من يمثله ومراقب الالتزام بالنفقات أو ممثله ورئيس مصلحة التشريع بالأمانة العامة للحكومة أومن يمثله، لأعضاء هذه اللجنة صوت تقريري، كما يمكن أن يوضع رهن إشارة اللجنة بعض التقنيين أو المهتمين للاستفادة من خبراتهم.

أما عن إختصاصات لجنة الصفقات، فتتوزع بين صلاحيات تمارسها اللجنة كجهاز عام، وأخرى تمارسها الكتابة الدائمة للجنة.

تتحدد صلاحيات اللجنة في شكل تقديم الإستشارات حول مختلف المشاريع والمنازعات المتعلقة بها وتهم بالدرجة الأولى :

ü شفافية مساطر وإبرام الصفقات العمومية

ü مدى ملاءمة الأثمان للواقع.

ü التدخل لحل النزاعات التي يمكن التي أن تحدث بين مصلحة مراقبة الإلتزام بالنفقات والمصالح الإدارية المتعاقدة حول تفسير وشرح بعض المقتضيات القانونية والتنظيمية الخاصة بالصفقات العمومية.

ü التقدم ببعض الحلول لضمان السير العاديى للمصالح المكلفة بالشراءات العمومية

ü القيام بتفتيش على مستوى الشركات والمقاولات وذلك لتحديد سعر تكلفة الصفقات العمومية المبرمة من قبل مؤسسات الدولة.

ü المساهمة في إعداد كل برنامج يهدف إلى تكوين أو استكمال خبرة الموظفين العاملين بمصالح الصفقات .

أما عن وظيفة الكتابة الدائمة فتتمثل في القيام بعمل إحصائي لجميع الصفقات المبرمة من قبل الدولة بعدما تتوصل بها من طرف مراقبي الإلتزام بالنفقات فيما يخص الصفقات العمومية والإدارات المحلية المعنية بالنسبة للصفقات العمومية المحلية .

لكن هذه اللجنة يظل دورها في ترشيد الصفقات العمومية محدودا ويعزى ذلك للمركزية المفرطة فليس هناك لجان متخصصة متفرعة عن اللجنة المركزية، بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات المادية والبشرية وغياب الطابع الزجري وحضور الدور الوقائي – الإستشاري.

وحتى تتمكن لجنة الصفقات من لعب دورها في عقلنة الصفقات العمومية يلزم إعادة هيكلة اللجنة تنظيميا وتأهيلها بشريا وماليا.


المبحث الثاني: تجليات رقابة الصفقات العمومية

سنتناول في المطلب الأول أهم أنواع الرقابة الداخلية التي تتركز في الرقابة عن طريق نشر البرامج التوقعية وإنجاز التقارير التقديمية على أن نخصص المطلب الثاني للحديث عن أهم المعيقات التي تحول دون رقابة فاعلة.

المطلب الأول : الرقابة عن طريق نشر البرامج التوقعية وإنجاز التقارير التقديمية

1 – نشر البرامج التوقعية:

البرامج التوقعية تعني بالأساس أن صاحب المشروع حدد أولوياته في الزمن والمكان وربط تحقيقهما وترجمتها على أرض الواقع بوجود مبالغ مالية كافية لبلورتها،

و إذا كان قانون الصفقات العمومية لسنة 2007 قد حمل مجموعة من المستجدات تهدف بالأساس إلى الشفافية في عقد و تدبير الصفقات العمومية وفتح المنافسة الشريفة بين جميع المتنافسين بمنحهم كل الضمانات والشروط القانونية لولوج الصفقات العمومية على قدم وساق، مستعملا في ذلك مجموعة من الآليات والإجراءات منها:
- ضرورة الإعلان عن البرنامج التوقعي للصفقات المزمع عقدها خلال السنة وذلك قبل متم شهر مارس من كل سنة .

- ضرورة نشر الإعلانات في جريدة ذات توزيع وطني وفي بوابة صفقات الدولة على الأقل 21 يوما قبل اليوم المحدد لفتح الاظرفة.

- تحديد لائحة الوثائق المطلوبة بكل دقة وعناية.

- تعليق نتائج جلسة فتح الاظرفة في آجال محددة.

- إعطاء فرصة للمتنافسين من اجل الاستفسار عن سبب الإقصاء....
إلا أن كل هاته الإجراءات لا بد لتنفيذها من وجود أطر بشرية تكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها و إلا تحولت النصوص إلى حبر على ورق وتحولت معها الصفقات العمومية إلى مزاد علني هدفه تلبية الرغبات اللامتناهية للمرتشين.[1]

و بالرجوع إلى المادة 87 من مرسوم 5 فبراير 2007[2] نجدها قد نصت على أنه يتعين على صاحب المشروع العمل قبل متم الثلاثة أشهر الأولى من كل سنة مالية ، على أبعد تقدير ، نشر البرنامج التوقعي للصفقات الذي يعتزم طرحه برسم السنة المالية المعنية، وذلك على الأقل في جريدة ذات توزيع وطني وفي بوابة صفقات الدولة المنصوص عليها في المادة 76 أعلاه.

و في الفقرة الثانية من نفس المادة نصت كذلك على أن إدارة الدفاع الوطني تعفى من هذا النشر".

من خلال مقتضيات هذه المادة نستشف أن المشرع عند تحديده لمدة 3 أشهر على أبعد تقدير كأجل لوضع نشر البرنامج التوقعي للصفقات الذي يعتزم طرحه برسم السنة المالية المعنية لم يحدد بالمقابل في حالة عدم الالتزام بهذا الأجل أي عقوبة زجرية مما يفتح أمامه الباب للتماطلات.

كذلك نجد المشرع نص على ضرورة نشر البرنامج التوقعي في جريدة وطنية على الأقل على أنه واقعيا يتم نشر البرنامج التوقعي في جريدتين إحداهما باللغة العربية والثانية بلغة أجنبية، وفي بوابة الصفقات العمومية هذه الأخيرة التي تعتبر من مستجدات مرسوم 5 فبراير 2007، حيث تهدف هذه البوابة إلى وضع رهن إشارة المتدخلين في مجال الصفقات العمومية وثائق تقنية ومعلومات عامة لمساعدتهم على أداء مهامهم في أحسن الظروف، وفي هذا الصدد ألزمت الخزينة العامة أصحاب المشاريع بالتسجيل بالبوابة لإضفاء المزيد من الشفافية على طلبات العروض، مشيرة إلى أنه بالنسبة إلى الصفقات التي لم تنشر بالبوابة فلن تؤشر عليها المصالح المختصة بالخزينة، وتتوخى الخزينة وراء هذا الإجراء عقلنة الحياة العامة، وسد الطريق أمام كل التلاعبات، واستعمال المال في طلبات العروض، من خلال بلوغ تمرير الصفقات العمومية بطريقة تحترم مبادئ حرية الحصول على المعلومات المتعلقة بالصفقات العمومية والمساواة في معالجة ملفات المرشحين علاوة على شفافية ومرونة الإجراءات[3].

وباستقرائنا للفقرة الثانية من نفس المادة نجدها تنص على أن إدارة الدفاع الوطني تعفى من هذا النشر( أي نشر البرنامج التوقعي) وهذا الإعفاء كان محط تساؤلات عند بعض الباحثين، فإذا كان من مبادئ الصفقة العمومية الشفافية فالأولى أن تعم هذه الشفافية جميع صفقات مرافق ومؤسسات الدولة بدون استثناء خاصة إذا علمنا أن أهم الصفقات في المغرب تعقد من إدارة الدفاع الوطني غير أن هناك من قال بمعقولية هذا البند على اعتبار أن نشر البرنامج التوقعي لإدارة الدفاع الوطني يعتبر من أسرار الدولة التي لا يجب الاطلاع عليها.

2- تقرير تقديم الصفقة:

وفق المادة 90 من مرسوم 2007 فإنه يجب أن يكون كل مشروع صفقة موضوع تقرير تقديم يعده صاحب المشروع يتضمن بالخصوص ما يلي:

v طبيعة ومدى الحاجات المراد تلبيتها .

v عرض حول الاقتصاد العام للصفقة وكذا مبلغ تقديرها ؛

v الأسباب الداعية إلى اختيار طريقة الإبرام ؛

v مبرر اختيار مقاييس انتقاء الترشيحات وتقييم العروض ؛

v مبرر اختيار نائل الصفقة.

أما فيما يتعلق بالصفقات التفاوضية ، فيبين كذلك تقرير التقديم قدر الإمكان مبررات الأثمان المقترحة بالمقارنة مع الأثمان المتداولة عادة في المهنة.

وعليه فإن تقرير الصفقة يعتبر أساسي كونه يهدف إلى إعطاء نظرة موضوعية ومركزة عن الصفقة من حيث الحاجة إليها ومن حيث المسطرة المنتهجة بشأنها، وكذلك من حيث تحديد نائل الصفقة الذي عرفته المادة 3 من مرسوم 5 فبراير2007 على أنه متعهد تم قبول عرضه قبل تبليغ المصادقة على الصفقة،

وباستقرائنا للمادة 90 من القانون المذكور سابقا نجدها تلزم صاحب المشروع بإعداد هذا التقرير الذي يجب أن يتضمن وجوبا تحديد طبيعة ومدى الحاجات المراد تلبيتها، عرض حول الاقتصاد العام للصفقة وكذا مبلغ تقديرها، ثم الأسباب الداعية إلى اختيار طريقة الإبرام، ومبرر اختيار مقاييس انتقاء الترشيحات وتقييم العروض مبرر اختيار نائل الصفقة، أما فيما يتعلق بالصفقات التفاوضية التي يمكن اعتبارها تلك المناقشات التي يجريها صاحب المشروع مع المرشح التي تسند إليه الصفقة فإن تقرير التقديم يبين الظروف والأسباب التي جعلتها تبرم صفقة تفاوضية ما عدا في حالة سرية العملية كما الحال بالنسبة لإدارة الدفاع الوطني[4]، غير أن المشرع وباستثناء الحالات اللجوء إلى الصفقة العمومية والتي يمكن أن تكون موضع صفقات تفاوضية بدون إشهار سابق وبدون إجراء منافسة والتي جاءت على سبيل الحصر في المادة 72 من مرسوم 5 فبراير 2007[5]فإنه يستوجب في إبرام كل صفقة تفاوضية من السلطة المختصة أو الآمر المساعد بالصرف إعداد شهادة إدارية تبين الاستثناء الذي يبرر إبرام الصفقة على هذا الشكل أو توضح بشكل خاص الأسباب التي أدت إلى تطبيقه في هذه الحالة.

وتبرم الصفقات التفاوضية إما بناء على عقد التزام يوقعه الراغب في التعاقد وعلى دفتر الشروط الخاصة و إما بناء على مراسلة وفقا للأعراف التجارية تحدد شروط إنجاز العمل، و إما بصفة استثنائية ، بتبادل رسائل أو اتفاقية خاصة بالنسبة للأعمال المستعجلة المنصوص عليها في حالة الاستثناء الواردة في المادة 72 أعلاه ، والتي يتعارض إنجازها مع إعداد الوثائق المكونة للصفقة. ويتعين أن ينص تبادل الرسائل أو الاتفاقية الخاصة على الأقل على طبيعة العمليات وحدود التزامات الدولة من حيث المبلغ والمدة ، وأن يحدد ثمنا نهائيا أو مؤقتا. وفي هذه الحالة الأخيرة ، لا يمكن أن يؤدي إلى دفع أي سلفات أو دفعات مسبقة. ويجب أن تتم تسوية تبادل الرسائل أو الاتفاقية الخاصة على شكل صفقة بثمن نهائي خلال الثلاثة أشهر الموالية. وفي حالة تجاوز هذا الأجل ، يجب إخبار مراقب الالتزام بالنفقات المعني بالأمر بناء على تقرير.

وعليه وانطلاقا مما سبق فإن إعداد تقرير الصفقة يسهل المأمورية من حيث ممارسة الرقابة.

المطلب الثاني: معيقات الرقابة الداخلية

من خلال مطلبنا الثاني سنتحدث في نقطة أولى على الاكراهات القانونية وفي نقطة ثانية سنتناول المعيقات البنيوية.

* الإكراهات القانونية: تضمن مرسوم 2 فبراير 2007 مجموعة من الإجراءات والمساطر التي تهدف بالأساس إلى تتبع ومراقبة تدبير الصفقات العمومية غير أنه يسجل في هذا الإطار أن تعدد المساطر و الإجراءات وتعقدها بمثابة عراقيل تحول و الرقابة الفعلية كذلك فإن اللغة القانونية المعتمدة فيه ليست دقيقة مما يفسح المجال أمام تأويلات الإدارة صاحبة المشروع''، إضافة إلى أن المشكل أساسا يكمن في المساطر المعتمدة في الصفقات، التي تسمح بحضور قوي ومؤثر للإدارة، وكذلك في التنفيذ على مستوى المحاسبة العمومية، ومراقبة الالتزام بالنفقات، فهناك ثغرات تضمنها هذا المرسوم أهمها الخروقات التي تهم المدة الفاصلة بين تاريخ النشر وتاريخ فتح الاظرفة وكذا إمكانية الحصول على ملف الصفقة حيث يعمد–ونظرا للمراقبة التي يمكن أن تفرض على مراحل ما بعد فتح الاظرفة- إلى تحديد مآل الصفقة منذ البداية ويتم رفض تسليم ملف الصفقة للمتنافسين تحت مبررات واهية(الملف غير جاهز;تم إلغاء الصفقة;المكلف غير موجود¸...)وهكذا وفي أحسن الأحوال تتحول الآجال المحددة في 21 يوما إلى يومين أو ثلاثة أيام مما يخل بمبدأ من مبادئ التنافسية. لذا فمن الضروري استغلال الإمكانيات التكنولوجية المتاحة وإلزام الإدارات بوضع ملفاتها الخاصة بالصفقة في البوابة الالكترونية، وهذا ما ذهبت إليه الخزينة العامة عندما رفضت التأشير عن كل صفقة لم تعرض في البوابة الالكترونية[6].

*المعيقات البنيوية:

حيث أن أغلب الأجهزة الموكول لها مهام الرقابة تعاني من ضعف في الامكانيات وكذلك ضعف الموارد البشرية، فعلى سبيل المثال فإن لجنة لصفقات التابعة للأمانة العامة للحكومة لم تقم بإجراء أي إحصاء عام أو تقرير عن الصفقات العمومية المبرمة بالمغرب رغم مرور 70 سنة على تأسيسها، وهو الإحصاء الذي يمكن من تحليل الصفقات، ومعرفة حجم الأموال العمومية ونوعية الاستثمارات، وطرق إبرامها وجنسية المقاولات النائلة للصفقة، وكيفية أداء الأثمنة، وهو ما يعزز ضمانات الشفافية وتطوير نظام الصفقات العمومية ، ويرى متخصصون أن اللجنة تعاني من عوائق بنيوية، تحول دون قيامها بدورها الحيوي في مجال الصفقات العمومية للدولة، من قبيل ضعف الإمكانات البشرية والمتمثلة في الحضور الصوري لأعضاء اللجنة، والذين لا يتوفرون على التخصص الضروري للقيام بالمهام المنوطة بها، كما أن اللجنة لا تتوفر على ميزانية مستقلة، فاعتماداتها جزء من الميزانية القطاعية للأمانة العامة للحكومة، مما ينعكس سلبا على استقلالية اشتغاله[7].

وهذه الوضعية لا تنفرد بها فقط لجنة الصفقات بل تعمم على جميع الأجهزة ،فضعف تكوين الموظفين المناطة بهم مهمة الرقابة إضافة إلى قلة الموارد البشرية وعدم الاستقلال المالي كلها أسباب وراء محدودية الرقابة، وعليه فيجب التفكير في جهاز مستقل ''لإضفاء الشفافية على الصفقات العمومية''، على أن يعتمد هذا الجهاز كافة الآليات الرقابية الضرورية لتوفير سلامة إبرام الصفقات''.




خاتمة

لقد حاولنا من خلال هذا الموضوع ملامسة الرقابة الداخلية وتجلياتها والهدف هو الحفاظ على الأموال العمومية من جميع مظاهر الفساد، والحرص في النهاية على الجودة في الصفقة العمومية. والرقابة في الوقت الراهن بتنوع أشكالها وتنوعها أصبحت لا تقتصر على الدور الزجري المتمثل في ضبط المخالفات وتطبيق العقوبات، ولكن أصبحت تسعى إلى حث المسؤولين على اتخاذ القرارات الملائمة تبعا للظروف المالية والمخططات الاقتصادية وتحفيزهم على تحسين تسييرهم وتدبيرهم المالي.

إن الصفقات العمومية باعتبارها آلية لتدخل الدولة والهيئات العمومية بشكل عام بغية الدفع بالمجتمع نحو التقدم والرقي وتقوية الاقتصاد وتفعيل آلياته ودعم الفاعلين الخواص. تحتاج فعلا إلى تقويم مستمر ودائم مناطه الاعتماد على الآليات الرقابية. غير أن الرقابة مهما كانت دقتها وشموليتها لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا ساد الوعي بضرورة الحفاظ على المصلحة العامة، ومراقبة الضمير كتعبير عن الإحساس بالمواطنة.

وحتى وإن وجدت أجهزة رقابة فاعلة فإنه لابد من وجود جهاز أعلى تناط به مهمة التنسيق بين الأجهزة المتعددة

و لما لا نتحدث في أفق المستقبل عن استحداث الهيئة العليا للصفقات العمومية على شاكلة بعض المصالح التي اعتمدت في هيكلتها على المجالس العليا والتي أبانت عن جدوى العمل بهذا النظام.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
– "إشكالية تقييم التدبير المحلي، مقاربة نقدية على ضوء التوجهات الرقابية الحديثة"، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق من إعداد محمد حيمود، تحت إشراف إدريس خدري، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق الدار البيضاء، الموسم الجامعي 2001-2002.
(- توفيق السعيد : "الصفقات العمومية المبرمة من قبل الجماعات المحلية : النظام القانوني الجديد"، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2003، ص292.
- عبد الله حداد: "صفقات الأشغال العمومية و دورها في التنمية"، منشورات عكاظ، الرباط، 2000 ، ص197.
أحمد محمودي:"مراقبة الصفقات الجماعية"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، اكدال ، الرباط، السنة الجامعية،2000-2001 ،ص19-20.
- فريزة أشهبار:"دور الصفقات العمومية